(الاعتراض)
ومما جاء بين كلامين متصلين معنى قوله: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ} [سورة البقرة:، 223] ، فإن قوله: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} بيان لقوله: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} يعني أن المأتى الذي أمركم به هو مكان الحرث؛ دلالة على أن الغرض الأصلي في الإتيان هو طلب النسل لا قضاء الشهوة، فلا تأتوهن إلا من حيث يتأتى فيه هذا الغرض، وهو مما جاء في أكثر من جملة أيضا ونحوه في كونه أكثر من جملة قوله تعالى: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} [سورة آل عمران: 36] , فإن قوله: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى} ليس من قول أم مريم، وكذا قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا، مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [سورة النساء: 44 - 46] إن جُعل"من الذين"بيانا لـ {الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} ؛ لأنهم يهود ونصارى، أو لأعدائكم؛ فإنه على الأول يكون قوله: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا} اعتراضا، وعلى الثاني يكون {وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا} اعتراضا، ويجوز أن يكون {مِنَ الَّذِينَ} صلة لـ"نصيرا"أي: ينصركم من الذين هادوا؛ كقوله: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا} [سورة الأنبياء: 77] وأن يكون كلاما مبتدأ على أن {يُحَرِّفُونَ} صفة مبتدأ محذوف تقديره:"من الذين هادوا قوم يحرفون"؛ كقوله:
وما الدهر إلا تارتان؛ فمنهما ... أموت، وأخرى أبتغي العيش أكدح
وقد علم مما ذكرنا أن الاعتراض كما يأتي بغير واو ولا فاء, قد يأتي بأحدهما.
ووجه حسن الاعتراض على الإطلاق: حسن الإفادة، مع أن مجيئه مجيء ما لا معوَّل عليه في الإفادة, فيكون مَثَله مَثَل الحسنة تأتيك من حيث لا ترتقبها.
ومن الناس من لا يقيد فائدة الاعتراض بما ذكرناه، بل يجوز أن تكون دفع توهم ما يخالف المقصود.