الوصل للتوسط بين الكمالين:
وإما للتوسط بين حالتي كمال الانقطاع وكمال الاتصال، وهو ضربان:
أحدهما: أن تتفقا خبرا وإنشاء، لفظا ومعنى، كقوله تعالى: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [سورة الانفطار: 14] ، وقوله: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ} [سورة يونس: 31] ، وقوله: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [سورة النساء: 142] ، وقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} [سورة الأعراف: 31] .
والثاني: أن يتفقا كذلك معنى لا لفظا، كقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا} [سورة البقرة: 83] ؛ عطف قوله: {وَقُولُوا} على قوله: {لا تَعْبُدُونَ} ؛ لأنه بمعنى لا تعبدوا. وأما قوله: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} فتقديره إما: وتُحسنون بمعنى وأحسنوا، وإما: وأحسنوا، وهذا أبلغ من صريح الأمر والنهي؛ لأنه كأنه سُورِع إلى الامتثال والانتهاء فهو يخبر عنه.
وأما قوله تعالى في سورة البقرة: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا} [سورة البقرة: 25] ، فقال الزمخشري فيه: فإن قلت: عَلَامَ عُطف هذا الأمر ولم يسبق أمر ولا نهي يصح عطفه عليه؟
قلت: ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يُطلَب له مشاكل من أمر أو نهي يعطف عليه، إنما المعتمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين؛ فهي معطوفة على جملة وصف عقاب الكافرين؛ كما تقول:"زيد يعاقَب بالقيد والإرهاق، وبَشِّر عمرا بالعفو والإطلاق". ولك أن تقول: هو معطوف على {فَاتَّقُوا} ؛ كما تقول:"يا بني تميم، احذروا عقوبة ما جنيتم، وبشر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم"هذا كلامه. وفيه نظر لا يخفى على المتأمل.
وقال أيضا في قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [سورة الصف: 13] : إنه معطوف على {تُؤْمِنُونَ} ؛ لأنه بمعنى: آمِنوا، وفيه أيضا نظر؛ لأن المخاطبين في {تُؤْمِنُونَ} هم المؤمنون، وفي {وَبَشِّرِ} هو النبي عليه السلام.
ثم قوله: {تُؤْمِنُونَ} بيان لما قبله على سبيل الاستئناف، فكيف يصح عطف {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} عليه؟!
وذهب السكاكي إلى أنهما معطوفان على"قل"مرادا قبل {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} [سورة البقرة: 21] ، و {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [سورة الصف: 10] ؛ لأن إرادة القول بواسطة انصباب الكلام إلى معناه غير عزيزة في القرآن، وذكر صورا كثيرة منها قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا} [سورة البقرة: 57] وقوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا} [سورة البقرة: 93] ، وقوله: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا} [سورة البقرة: 125] أي: وقلنا أو قائلين، والأقرب أن يكون الأمر في الآيتين معطوفا على مقدر يدل عليه ما قبله، وهو في الآية الأولى"فأنذر"أو نحوه، أي:"فأنذرهم وبشر الذين آمنوا"، وفي الآية الثانية"فأبشر"أو نحوه، أي:"فأبشر يا محمد وبشر المؤمنين"، وهذا كما قدَّر الزمخشري قوله تعالى: {وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} [سورة مريم: 46] معطوفا على محذوف يدل عليه قوله: {لَأَرْجُمَنَّكَ} أي: فاحذرني واهجرني؛ لأن {لَأَرْجُمَنَّكَ} تهديد وتقريع.