الجامع بين الجملتين, وأقسامه:
والجامع بين الجملتين يجب أن يكون باعتبار المسنَد إليه في هذه، والمسنَد إليه في هذه، وباعتبار المسند في هذه، والمسند في هذه جميعا كقولك:"يشعر زيد ويكتب، ويعطي ويمنع"، وقولك:"زيد شاعر"، و"عمرو كاتب"، و"زيد طويل"، و"عمرو قصير"إذا كان بينهما مناسبة؛ كأن يكونا أخوين أو نظيرين بخلاف قولنا:"زيد شاعر، وعمرو كاتب"إذا لم يكن بينهما مناسبة، وقولنا:"زيد شاعر، وعمرو طويل"كان بينهما مناسبة أو لا، وعليه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [سورة البقرة: 6] قُطع عما قبله؛ لأنه كلام في شأن الذين كفروا، وما قبله كلام في شأن القرآن.
وأما ما يُشعِر به ظاهر كلام السكاكي في موضع من كتابه أنه يكفي أن يكون
الجامع باعتبار المخبر عنه أو الخبر أو قيد من قيودهما, فإنه منقوض بما مر وبنحو قولك: هزم الأمير الجند يوم الجمعة، وخاط زيد ثوبي فيه. ولعله سهو؛ فإنه صرح في موضع آخر منه بامتناع عطف قول القائل:"خفِّي ضيق"على قوله:"خاتمي ضيق"مع اتحادهما في الخبر.
أنواع الجامع:
ثم قال: الجامع بين الشيئين: عقلي ووهمي وخيالي.
أما العقلي فهو أن يكون بينهما اتحاد في التصور أو تماثل؛ فإن العقل بتجريده المثلين عن التشخص في الخارج يرفع التعدد بينهما، أو تضايف؛ كما بين العلة والمعلول، والسبب والمسبَّب، والسفل والعلو، والأقل والأكثر؛ فإن العقل يأبى ألا يجتمعا في الذهن.
وأما الوهمي فهو أن يكون بين تصورَيْهما شبه تماثل؛ كلون بياض ولون صفرة؛ فإن الوهم يُبرزهما في معرض المثلين؛ ولذلك حسُن الجمع بين الثلاثة التي في قوله"من البسيط":
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحا وأبو إسحاق والقمر
أو تضاد كالسواد والبياض، والهمس والجهارة، والطيب والنتن، والحلاوة والحموضة، والملاسة والخشونة، وكالتحرك والسكون، والقيام والقعود، والذهاب والمجيء، والإقرار والإنكار، والإيمان والكفر، وكالمتصفات بذلك؛ كالأسود والأبيض، والمؤمن والكافر.
أو شبه تضاد كالسماء والأرض، والسهل والجبل، والأول والثاني؛ فإن الوهم يُنزل المتضادين والشبيهين بهما منزلة المتضايفين، فيجمع بينهما في الذهن؛ ولذلك نجد الضد أقرب خطورا بالبال مع الضد.
والخيالي أن يكون بين تصوريهما تقارن في الخيال سابق، وأسبابه مختلفة؛ ولذلك اختلفت الصور الثابتة في الخيالات ترتبا ووضوحا، فكم صور تتعانق في خيال وهي في آخر لا تتراءى، وكم صورة لا تكاد تلوح في خيال وهي في غيره نار على علم.
كما يحكى أن صاحب سلاح ملك، وصائغا، وصاحب بقر، ومعلم صبية سافروا ذات يوم، وواصلوا سير النهار بسير الليل، فبينما هم في وحشة الظلام ومقاساة خوف التخبّط والضلال؛ طلع عليهم البدر بنوره، فأفاض كل منهم في الثناء عليه، وشبّهه بأفضل ما في خزانة صوره، فشبهه السلاحي بالترس المذهب يُرفع عند الملك، والصائغ بالسبيكة من الإبريز تفترّ عن وجهها البوتقة، والبقار بالجبن الأبيض يخرج من قالبه طريا، والمعلم برغيف أحمر يصل إليه من بيت ذي مروءة.
وكما يحكى عن ورّاق يصف حاله:"عيشي أضيق من محبرة، وجسمي أدق من مسطرة، وجاهي أرقّ من الزجاج، وحظي أخفى من شقّ القلم، وبدني أضعف من قصبة، وطعامي أمرّ من العفص، وشرابي أشد سوادا من الحبر، وسوء الحال لي ألزم من الصمغ".
ولصاحب علم المعاني فضل احتياج إلى التنبّه لأنواع الجامع، لا سيما الخيالي؛ فإن جمعه على مجرى الإلف والعادة بحسب ما تنعقد الأسباب في ذلك؛ كالجمع بين الإبل والسماء، والجبال والأرض في قوله تعالى: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} [سورة الغاشية: 17 - 20] بالنسبة إلى أهل الوبر، فإن جُلّ انتفاعهم في معاشهم من الإبل؛ فتكون عنايتهم مصروفة إليها، وانتفاعهم منها لا يحصل إلا بأن ترعى وتشرب، وذلك بنزول المطر، فيكثر تقلب وجوههم في السماء، ثم لا بد لهم من مأوى يُؤويهم وحصن يتحصنون به، ولا شيء لهم في ذلك كالجبال، ثم لا غنى لهم لتعذر طول مكثهم في منزل عن التنقل من أرض إلى سواها؛ فإذا فتش
البدوي في خياله وجد صور هذه الأشياء حاضرة فيه على الترتيب المذكور، بخلاف الحضري، فإذا تلا قبل الوقوف على ما ذكرنا؛ ظن النسقَ"لجهله"مَعِيبا.