فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 212

{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ...(179)}

وأما التنكير في قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [سورة البقرة: 179] فيحتمل النوعية والتعظيم؛ أي: ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة؛ لمنعه عما كانوا عليه من قتل جماعة بواحد متى اقتدروا، أو نوع من الحياة وهو الحاصل للمقتول والقاتل بالارتداع عن القتل للعلم بالاقتصاص؛ فإن الإنسان إذا همّ بالقتل تذكر الاقتصاص فارتدع، فسلم صاحبه من القتل وهو من القَوَد، فتسبّبَ لحياة نفسين.

(الإيجاز)

وهو ضربان: إيجاز القصر:

أحدهما إيجاز القصر وهو ما ليس بحذف، كقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [سورة البقرة: 179] ، فإنه لا حذف فيه مع أن معناه كثير يزيد على لفظه؛ لأن المراد به أن الإنسان إذا علم أنه متى قَتل قُتل كان ذلك داعيا له قويا إلى ألا يقدم على القتل، فارتفع بالقتل - الذي هو القصاص - كثير من قتل الناس بعضهم لبعض، فكان ارتفاع القتل حياة لهم، وفضله على ما كان عندهم أوجز كلام في هذا المعنى، وهو قولهم:"القتل أنفى للقتل"، من وجوه:

أحدها: أن عدة حروف ما يناظره منه وهو"في القصاص حياة"عشرة في التلفظ وعدة حروفه أربعة عشر.

وثانيها: ما فيه من التصريح بالمطلوب - الذي هو الحياة - بالنص عليها؛ فيكون أزجر عن القتل بغير حق؛ لكونه أدعى إلى الاقتصاص.

وثالثها: ما يفيده تنكير"حياة"من التعظيم أو النوعية كما سبق.

ورابعها: اطراده، بخلاف قولهم؛ فإن القتل الذي ينفي القتل هو ما كان على

وجه القصاص لا غيره.

وخامسها: سلامته من التكرار الذي هو من عيوب الكلام، بخلاف قولهم.

وسادسها: استغناؤه عن تقدير محذوف، بخلاف قولهم، فإن تقديره:"القتل أنفى للقتل من تركه".

وسابعها: أن القصاص ضد الحياة؛ فالجمع بينهما طباق كما سيأتي.

وثامنها: جعل القصاص كالمنبع والمعدن للحياة بإدخال"في"عليه على ما تقدم.

ومنه قوله تعالى: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [سورة البقرة: 2] أي: هدى للضالين الصائرين إلى الهدى بعد الضلال.

وحسّنه التوصل إلى تسمية الشيء باسم ما يئول إليه وإلى تصدير السورة بذكر أولياء الله تعالى، وقوله: {أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ} [سورة يونس: 18] أي: بما لا ثبوت له ولا علم لله متعلق بثبوته؛ نفيا للملزوم بنفي اللازم. وكذلك قوله تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [سورة غافر: 18] أي: لا شفاعة ولا طاعة، على أسلوب قوله"من البسيط":

على لاحِب لا يُهتدى بمناره

أي: لا منار، ولا اهتداء، وقوله"من السريع":

ولا ترى الضب بها ينجَحِر ...

أي: لا ضب، ولا انجحار.

والضرب الثاني إيجاز الحذف، وهو ما يكون بحذف، والمحذوف إما جزء جملة، أو أكثر من جملة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت