الفصل لعدم الاشتراك في القيد:
وإن لم يقصد ذلك, فإن كان للأول حكم ولم يقصد إعطاؤه للثانية؛ تعين الفصل؛ كقوله تعالى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [سورة البقرة: 15] لم يعطف {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} على {قَالُوا} لئلا يشاركه في الاختصاص بالظرف المقدَّم، وهو قوله: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} فإن استهزاء الله بهم - وهو أن خذلهم، فخلاهم وما سوَّلتْ لهم أنفسهم، مستدرجا إياهم من حين لا يشعرون - متصل لا ينقطع بكل حال، خلوا إلى شياطينهم أم لم
يخلوا إليهم، وكذلك في الآيتين الأخيرتين؛ فإنهم مفسدون في جميع الأحيان؛ قيل لهم: لا تفسدوا، أو لا، وسفهاء في جميع الأوقات؛ قيل لهم: آمنوا، أو لا.
أحوال أخرى للفصل:
وإن لم يكن للأولى حكم كما سبق، فإن كان بين الجملتين كمال الانقطاع وليس في الفصل إيهام خلاف المقصود كما سيأتي، أو كمال الاتصال، أو كانت الثانية بمنزلة المنقطعة عن الأولى، أو بمنزلة المتصلة بها, فكذلك يتعين الفصل. أما في الصورة الأولى؛ فلأن الواو للجمع، والجمع بين الشيئين يقتضي مناسبة بينهما كما مر.
وأما في الثانية؛ فلأن العطف فيها بمنزلة عطف الشيء على نفسه، مع أن العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه. وأما في الثالثة والرابعة فظاهر مما مر.
الأول: كمال الانقطاع:
وأما كمال الانقطاع فيكون لأمر يرجع إلى الإسناد، أو إلى طرفيه:
الأول: أن تختلف الجملتان خبرا وإنشاء، لفظا ومعنى؛ كقولهم:"لا تدنُ من الأسد يأكلك"، و"هل تصلح لي كذا أدفع إليك الأجرة؟"بالرفع فيهما.
وقول الشاعر"من البسيط":
وقال رائدهم: ارسوا نزاولها ... فكل حتف امرئ يجري بمقدار
أو معنى لا لفظا؛ كقولك:"مات فلان رحمه الله".
أما قول اليزيدي"من السريع":
ملّكتُهُ حَبْلي ولكنه ... ألقاه من زهد على غاربي