اللفظية والمعنوية بين الإيمان والتصديق (تعلم) لمن تأمل هذه القضية بعيدا عن التعصب لما دَرَج عليه المتأخرون من اللغويين والمتكلمين من الترادف بين اللفظتين، حتى كاد أن يكون إجماعا لديهم.
وحاصل هذا المبحث أن الإيمانَ في اللغة مصدرُ آمن يُؤمِنُ إيمانا فهو مؤمن، قال الجوهري: أصل آمن أأمن بهمزتين لُيِّنت الثانية. واشتقاقه من الأمن، كما في القاموس (1) وغيره، وأصل الأمن كما ذكر الراغب: طمأنينة النفس وزوال الخوف (2) . قال شيخ الإسلام في الصارم المسلول:» فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار والطمأنينة. وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديقُ والانقياد « (3) . قال الزمخشري في الكشاف:» الإيمان إفعال من الأمن، ثم يقال آمنه إذا صدقه، وحقيقته آمنه من التكذيب والمخالفة « (4) .
(1) - القاموس المحيط: 1060.
(2) - مفردات ألفاظ القرآن: 90.
(3) - الصارم المسلول: 519.
(4) - الكشاف: 1/ 47.
هذا عن الاشتقاق اللغوي للفظة الإيمان، أما معناه في اللغة، فاختلفوا فيه على أقوال، منها ما ذكره الفيروزأبادي:» هو الثقة، وإظهار الخضوع، وقبول الشريعة « (1) ، ولعله لاحظ المعنى الاصطلاحي أيضا. ومنها الطمأنينة والإقرار. لكن أشهرها هو التصديق، قال الألوسي:» والإيمان في اللغة التصديق أي الإذعان لِحُكمِ المُخبِر وقَبولُه وجعله صادقا « (2) . ولعل الأصح أن يقول» ونسبته إلى الصدق «بدل» وجعله صادقا «إذ المخبر إما صادق وإما كاذب في نفس الأمر، لا بجعل جاعل، والله أعلم. وتأمل في هذا التعريف الذي ذكره الألوسي، كيف أنه جعل التصديق شاملا للإذعان والقبول!