الجاهلية تعظم القبور وربما عبدتها، فحصن عقائد المؤمنين بالنهي، فلما استقر الأمر أباح الزيارة.
ورأى أن ذلك لا يتعارض مع قوله - صلى الله عليه وسلم: «لا يشد الرحال إلا لثلاثة مساجد ... الحديث» ، إذ أن ذلك معناه شدها للصلاة لا لغير ذلك، وهو ما ذهب إليه ابن بطال في «شرح البخاري» والإمام أبو حامد في «الإحياء» .
ورأى أبو عبد الله القوري [1] (ت. 872 هـ) شيخ الجماعة بفاس أنها مستحبة إن سلمت من محرم أو مكروه في أصل الشرع واعتبرها أبو محمد الورياجلي [2] من غنائم أهل الدين.
وقد اشترطوا ألا تؤدى إلى محرم أو مكروه، كما اشترطوا أن يلتزم الزائر بآداب الزيارة فلا يتمسح بالقبر ولا يصلي عنده وإن كان عليه مسجد لنهي رسول الله عن ذلك وتشديده فيه [3] .
وقد بسط هذه الآداب أبو عبد الله محمد بن جعفر في مقدمة «سلوة الأنفاس» .
وبعضهم يعتمد فتوى الإمام أحمد في جواز تقبيل القبر الشريف صلى الله على ساكنه وآله وسلم، وفتوى ابن أبي الصيف اليماني أحد علماء مكة الشافعية في جواز تقبيل المصحف وأجزاء الحديث وقبور الصالحين [4] .
وقال الحافظ الذهبي، رحمه الله، في «معجم الشيوخ» : «عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان يكره مس قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -. قلت: كره ذلك لأنه رآه إساءة أدب. وقد سئل أحمد بن حنبل عن مس القبر النبوي وتقبيله فلم ير بذلك بأسا، رواه عنه ولده عبد الله بن أحمد.» .
(1) محمد بن قاسم اللخمي الفاسي، الإمام المالكي المتبحر المفتي، توفي بفاس سنة 872، وأصله من مكناس."الفكر السامي (686) ."
(2) عبد الله بن عبد الواحد الفاسي المالكي، الإمام المشارك القاضي المدرس المجاهد. توفي بفاس سنة 894، وأصله من الهبط شمال المغرب."الفكر السامي" (693)
(3) انظر «الفتاوى الفقهية في أهم القضايا بالمغرب من عهد السعديين للحماية» للحسن اليوبي (ص. 307) .
(4) «حاشية ابن حاج» (ص. 434) .