أجلبت بذكر أدلتهم وحججهم ونافحت عنهم وذكرت أئمة وقعوا فيما وقعوا فيه؟!
فالجواب عن ذلك: هو أنني، بحمد الله، لا أخرج عن منهاج السلف الصالح أهل القرون الثلاثة المفضلة قيد شعرة وأخضع لكل ما كانوا عليه ووجهي على التراب. وأكره البدع والشرك وأحب السنة والتوحيد. وعلى هذا نشأت وعليه دخلت للسجن، وأرجو الله أن يثبتني عليه حتى أموت وألقاه وأنا كذلك.
وأما الأنقال التي جلبتها فمقصودي منها أن أبين للغلاة الذين نرد عليهم أنهم إن أنكروا العذر في الأصول فيلزمهم تكفير من ذكر، وكذلك النجديون الذين يحكمون على الناس بالشرك لوجود القباب عندهم أو قصدهم للقبور يلزمهم تكفير أمة من علماء الأمة، بل يلزمهم تبديع إمامهم أحمد بن حنبل رحمه الله ورضي عنه. فإذا علم الواقف على هذه الرسالة ما ذكرت تريث في الحكم على الناس وظهر له الأمر ليس بالسهل اليسير، ونظر في العواقب واللوازم.
نعم، وليس فيما ذكرت حجة للغلاة في القبور فإنها إما نقل غير صريح ولا صحيح أو هو فعل رجل غير معصوم. والنقل قد يثبت عنه ولا حجة فيه، وقد لا يثبت أصلا.
على أن أهل القرون الثلاثة المفضلة لم يثبت عنهم بسند صحيح صريح شد الرحال للقبور ولا قصدها للدعاء عندها أو دعاء أصحابها، بل ولا كان لهم اهتمام بهذا الأمر.
لم تبن المشاهد على القبور إلا في القرن الرابع بعد استفحال الرفض والبدع وانحراف الناس عن الأمر الأول القديم.
ثم تطور الأمر شيئا فشيئا.
وكذلك فإن الصوفية الأوائل كانوا من أشد الناس دعوة للتوحيد وإخلاص العبادة لله وإرشاد السالكين إليه وحده وتجريد النفس له سبحانه مع الحرص على التوكل عليه، وحتى إنهم كانوا قد يبالغون في ذلك.
قال أبو عبد الله القرشي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون.
وقال أبو يزيد البسطامي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق [1] .
(1) "مجموع الفتاوى" (1\ 106) لابن تيمية.