فقلت: يا رسول الله، فما ترى إذ أدركني ذلك؟
قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم.
فقلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟
قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» [1] .
قال أبو محمد:
فالذي يظهر من هذا الحديث أن الخير الذي فيه دخن هو ولاة الجور من المسلمين، وخيرهم هو إقامة الأحكام الشرعية في الناس والجهاد والذب عن بيضة الإسلام وكبح جماح أهل الكفر والعصيان. وقد أشار لهذا الحافظ ابن حجر، رحمه الله، في شرح هذا الحديث.
و كذلك علماء الإسلام الذين تلبسوا بعقائد مخالفة لما كان عليه السلف السابقون من الصحابة والتابعين والأئمة الكبار، فقد ظهرت الفرق البدعية وانحرف الناس عن محض السنة، لكن خيرهم هو ما صنفوه من كتب في بيان الدين وتوضيحه والرد على أعدائه. ودخنه ما خالط ذلك بدع المتكلمين وغيرهم.
وكذلك كبار دعاة التربية والإصلاح، فقد دخت عليهم بدع الصوفية وشطحاتها وخاضوا في أمور كبيرة، وابتدعوا طرائق في التربية والسلوك جديدة، وغلوفي المتقدمين وانزلقوا في أمور ضاهوا بها أهل الشرك من الأمم السالفة.
وكذلك فقهاء الإسلام، فإنهم صنفوا المجلدات العظيمة في توضيح الشريعة وتفريعها، لكنهم دخلهم الرأي، والتعصب للمذاهب، وسدوا باب الاجتهاد، وابتعدوا عن العمل بالدليل.
وهكذا قُلْ في باقي طوائف المسلمين. فهذه سنة الله في خلقه، وقد قال تعالى: ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق، ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم
(1) رواه البخاري (3606) ومسلم (1847) .