أما الاجتهاد والعمل بالقرآن وصحيح السنة والأخذ بما كان عليه السلف فقد أصبحت كلها جرائم يعاقب عليها أصحابها بالهجر والسجن والتشهير والتبديع.
ومع أنه نبغ علماء في القرون الأخيرة هنا وهناك إلا أن السمة الغالبة كانت هي اجترار ما سبق وقلة الإبداع. وساعد على ذلك توارث المناصب الدينية من قضاء وإمامة وفتوى، بما جعلها تؤول لجهال لا صلة لهم بالعلم السليم.
وزاد الطين بلة إهمال العلوم الكونية والتجريبية فضعف الطب والصيدلة وسائر العلوم الكونية وانصرف العامة للشعوذة والسحر والإيمان بالخرافات والدجالين، وأدعياء الصلاح والولاية.
هذا كله مع انحصار النشاط العلمي في المدن الكبرى وبعض الأرياف، أما البوادي والمناطق النائية فعمها الجهل الكبير، حتى عاد كثير من الناس للجاهلية الأولى وهم يدعون الإسلام.
وقد كان الملوك الأول على طريقة حسنة من الجهاد ونصرة الدين، فاشتعلت جذوة القتال والاستشهاد في قلوب المسلمين وفتحوا الفتوحات العظيمة.
لكنهم بعد ذلك خلدوا للراحة وتركوا الخروج لقيادة المجاهدين، واستمتعوا بمباهج الحياة والجواري الحسان، وسلموا الولايات لأمراء وولاة وقضاة ظلمة فجرة همهم جمع المكوس من عباد الله وملء الجيوب واستغلال المناصب.
فكثر الظلم والعسف، وتذمر الناس وجنحت القبائل والأقاليم للتمرد والخروج على الولاة هروبا من جورهم وفجورهم. فكثرت القلاقل والفتن، وبردت همم الناس فهربوا من الجهاد فكثرت هزائم الدولة وتربص بها الأعداء وانتهشوا أقاليمها كلما سنحت لهم الفرصة.
ومن مصايب العثمانيين أنهم أول خلافة إسلامية لسانها الرسمي أعجمي!! فقد كانت لغتها الرسمية هي التركية، حتى إن العربية ضعفت كثيرا في آخر عهدها. ثم تعصب متأخرو الدولة للعنصر التركي وحاولوا تتريك سائر المسلمين، فتعصب كل عنصر لقومه وقامت العصبية الجاهلية للعربية والكردية وغيرها، مما شتت عقد الدولة وفرق نظامها.