وقد أدى هذا لظهور جيل من أبناء المسلمين من السلاطين والوزراء والمثقفين رأوا في تقليد الغرب النصراني سبيلا من حالة التخلف، فكانوا كما قال الأول:
المستجير بعمرو يوم كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار
وتغافل أولئك المساكين عن التحذيرات الشرعية من التشبه بالكفار، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه» ، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟!» [1]
وقد بدأ هذا التأثر بالنصارى الأوروبيين يتضح في عهد السلطان سليم الثالث (1203 - 1222 هـ) ، وفي عهده كانت حملة نابليون على مصر سنة 1213 هـ، وصدم بها المسلمون، وفي عهده تولى محمد علي باشا حكم مصر وكان مفتونا بالغرب عاملا على تقليدهم شديد الميل لهم [2] .
ثم جاء ابن أخيه محمود بن عبد الحميد سنة 1223 هـ وهو المعروف بالسلطان محمود الثاني، وكانت أمه فرنسية، فأشربته حب أوروبا وفرنسا خاصة. فكان أول سلطان عثماني يتشبه في لباسه بالنصارى فيخلع العمامة ويلبس الطربوش مع سراويل ضيقة، وأنشأ جيشا جديدا شبيها بالطريقة الأوروبية.
ومع أن السلطان محمودا هذا أحدث جملة من المناكر في بلاد المسلمين على غرار ما عند الغرب وأرسل عددا من شباب بلاده لدراسة العلوم عندهم إلا أنه لم يغير شيئا من القوانين الشرعية.
لكن أفعاله مهدت الأمر لمن بعده، فقد خلفه في الملك ابنه عبد المجيد فور وفاته سنة 1255 هـ، وكان في السادسة عشرة من عمره، فكان صغر سنه هذا فرصة لبعض الوزراء المتفرنجين لإكمال ما بدأه والده. ومن هؤلاء الوزراء مصطفى رشيد باشا.
(1) رواه البخاري (7320) ومسلم (2669) .
(2) انظر: «الدولة العثمانية» (ص. 545) و «الانحرافات» (1/ 162) .