فإن هذا الوزير أصدر سنة 1256 هـ مرسوما من السلطان عرف ب «خط شريف جلخانة» سوى فيه بين المسلمين وأهل الذمة في سائر الحقوق.
ثم أنشأ هذا الوزير مجلسا للنواب ووضع للدولة قانونا للعقوبات سنة 1275 هـ نقل الكثير منه عن القانون الجنائي الفرنسي. ومن أهم ما استحدثه هذا القانون الأخذ بمبدأ ألا عقوبة إلا بنص، فخرج بذلك على ما جرى عليه الشرع الإسلامي باسم (التعزير) ، ثم إنه ألغى نهائيا عقوبة الرجم في جريمة الزنا للمحصن وعقوبة قطع اليد في السرقة، وقد صدر بعده قانون جنائي آخر في سنة 1268 هـ ثم قانون جنائي ثالث في سنة 1275 هـ وقد اقتبس هذا الأخير كله عن القانون الفرنسي.
وفي سنة 1267 صدر قانون التجارة نقلا عن القانون الفرنسي أيضا، والملاحظ أنه نقل عن الأصل الفرنسي أحكامه بدون تبصر، كما في النص على حقوق الزوجة عند إفلاس زوجها، وهو نص مخالف لأحكام الأحوال الشخصية المطبق في بلاد المسلمين [1] .
وحينما رأى المسلمون أن الدولة تساوي بهم النصارى واليهود وتستبدل بالشريعة الحنيفية قوانين الكفر وتخلع أزياء المسلمين لتتخذ أزياء النصارى، وأحسوا كذلك أن حكومة رشيد باشا لا تكاد تأتي أمرا إلا وراعت فيه خاطر النصارى، نفروا من ذلك نفورا عظيما ولم يجد السلطان ورجال دولته بدا في إسقاطه وعزله خوفا من ثورة المسلمين. غير أن هذا الوزير المفتون كلما أسقط كان يعود لمنصبه، يعينه الماسونيون والمتفرنجون من أمثاله [2] .
ثم توفى السلطان عبد المجيد بن محمود سنة 1277 هـ فخلفه أخوه السلطان عبد العزيز الذي سار على منوال أخيه أولا، ثم انتبه فأراد إصلاح الأوضاع لكنه ابتلي بوزير منافق من أصل يهودي يدعى مدحت باشا فعزله سنة 1293 هـ ثم قتله! [3]
وقد جاء بعده ابن أخيه عبد الحميد بن عبد المجيد المعروف بالسلطان عبد الحميد
(1) «الشريعة الإلهية لا القوانين الجاهلية» لعمر الأشقر (ص. 64) ط. النفائس.
(2) «الانحرافات» (2/ 269) .
(3) «الدولة العثمانية» (ص. 621) .