فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 200

«لأنهم فرطوا في المشروع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلا فلو قبضوا ما يسوغ قبضه ووضعوه حيث يسوغ وضعه طالبين بذلك إقامة دين الله لا رياسة أنفسهم، وأقاموا الحدود المشروعة على الشريف والوضيع والقريب والبعيد. متحرين في ترغيبهم وترهيبهم للعدل الذي شرعه الله لما احتاجوا إلى المكوس الموضوعة ولا إلى العقوبات الجائرة. ولا إلى من يحفظهم من العبيد والمستعبدين» [1] .

والأمراء يجب أن يسوسوا الناس بشريعة الإسلام، وهذا يتوقف على علم الأمراء بالشريعة، وقد كان الجهل بالشريعة هوالذي أدى إلى خروج الأمراء عن بعض أحكام الشريعة.

يقول ابن تيمية مبينا بدء العمل بالسياسة المخالفة للشريعة ومبينا أن الجهل بالشريعة هو السبب الأول في ذلك: «فلما صارت الخلافة في دولة العباس واحتاجوا إلى سياسة الناس وتقلد لهم القضاء من تقلده من فقهاء العراق [2] ، ولم يكن ما معهم من العلم كافيا في السياسة العادلة؛ واحتاجوا حينئذ إلى ولاية المظالم، وجعلوا ولاية حرب غير ولاية شرع، وتعاظم الأمر في كثير من أمصار المسلمين حتى صار يقال: الشرع والسياسة، وهذا يدعو خصمه إلى الشرع وهذا يدعو خصمه إلى السياسة، سوغ حاكما أن يحكم بالشرع والآخر بالسياسة» .

«والسبب في ذلك أن الذين انتسبوا إلى الشرع قصروا في معرفة السنة، فصارت أمور كثيرة إذا حكموا ضيعوا الحقوق وعطلوا الحدود حتى تسفك الدماء وتؤخذ الأموال وتستباح الحرمات، والذين انتسبوا إلى السياسة صاروا يسوسون بنوع من الرأي من غير اعتصام بالكتاب والسنة، وخيرهم الذي يحكم بلا هوى وتحر للعدل، وكثير من يحكمون بالهوى ويحابون القوي ومن يرشوهم ونحو ذلك» [3] .

لقد أصبحت السياسة لافتة يحكم من ورائها بحكم الشيطان ويخرج على حكم الرحمن، لقد بلغ الحال في عهد المماليك أن الحاجب كان: «يحكم في كل جليل

(1) «اقتضاء الصراط» (ص.281) .

(2) يقصد أصحاب أبي حنيفة.

(3) «صحة أصول أهل المدينة» (ص.90) مكتبة المتنبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت