وأما قوله: نقول بأن القول كفر ولا نحكم بكفر القائل. فإطلاق هذا جهل صرف لأن هذه العبارة لا تنطبق إلا على معين، ومسألة معروفة إذا قال قولا يكون القول به كفرا، فيقال: من قال بهذا القول فهو كافر لكن الشخص المعين إذا قال ذلك لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر بها تاركها. وهذا في المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض الناس، كما في مسائل القدر والإرجاء ونحو ذلك.
فما قاله أهل الأهواء فإن بعض أقوالهم تتضمن أمورا كفرية من رد أدلة الكتاب والسنة المتواترة، فيكون القول المتضمن لرد بعض النصوص كفرا، ولا يحكم على قائله بالكفر لاحتمال وجود مانع كالجهل وعدم العلم بنقض النص أو بدلالته.
فإن الشرائع لا تلزم إلا بعد بلوغها. ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، قدس الله روحه، في كثير من كتبه، وذكر أيضا أن ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية أم ما يعلم من الدين بالضرورة فهذا لا يتوقف في كفر قائله، ولا تجعل هذه الكلمة عكازة تدفع بها في نحر من كفر البلدة الممتنعة عن توحيد العبادة والصفات بعد بلوغ الحجة ووضوح المحجة.
وأما قوله: وهؤلاء ما فهموا الحجة. فهذا مما يدل على جهله وأنه لم يفرق بين فهم الحجة وبلوغ الحجة، ففهمها نوع وبلوغها نوع آخر، فقد تقوم الحجة على من لم يفهمها، وقد قال شيخنا [1] الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كلام له: (فإن الذي لم تقم عليه الحجة هوالذي حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة أو يكون ذلك في مسائل خفية مثل مسألة الصرف والعطف فلا يكفر حتى يعرف. وأما أصول الدين التي وضحها الله وأحكمها في كتابه فإن الحجة هي القرآن، فمن بلغه فقد بلغته الحجة. ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وفهم الحجة فإن الكفار والمنافقين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم كما قال تعالى: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون، إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} وقال تعالى: {و جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا} . فقيام الحجة وبلوغها نوع وفهمها نوع آخر، وكفرهم الله ببلوغها إياهم مع كونهم لم يفهموها) ، إلى آخر كلامه رحمه الله.
(1) يقصدون شيخ دعوتهم وإلا فهم لم يدركوا ابن عبد الوهاب.