الخامسة: أن أئمة السنة عبر التاريخ في غالبيتهم ما كانوا يكفرون أعيان المعتزلة ولا الزيدية ولا الإباضية ولا الإمامية ولا الأشعرية، ومن كفرهم على العموم كانوا يعدونه متشددا متصلبا في السنة ولا يتابعونه على طريقته. كما في ترجمة أبي إسماعيل الأنصاري الهروي، رحمه الله، من أنه كان يحرم ذبائح الأشعرية لكفرهم عنده، مع أنهم في زمانه كانوا هم القائمين بالجهاد ونصرة دين الإسلام وعلى رأسهم السلاجقة الأتراك، رحمهم الله, فإن العلماء لم يتابعوا أبا إسماعيل على مذهبه هذا. غفر الله له.
السادسة: أن هذه المسألة ترجع إلى القاعدة الذهبية التي قررناها في تقسيم الناس من حيث الباطن والظاهر إلى مسلم وكافر ومنافق، وأن كل من كفرناه في الظاهر فمعنى ذلك أنه منافق يبطن الكفر.
قال ابن أبي العز الحنفي، رحمه الله، في «شرح العقيدة الطحاوية» : «ثم إذا كان القول في نفسه كفرا قيل: إنه كفر. والقائل له يكفر بشروط وانتفاء موانع، ولا يكون ذلك إلا إذا صار منافقا زنديقا، فلا يتصور أن يكفر أحد من أهل القبلة المظهري للإسلام، إلا أن يكون منافقا وزنديقا، وكتاب الله بين ذلك. فإن صنف الخلق ثلاثة أصناف:
• صنف: كفار من المشركين وأهل الكتاب، وهم الذين لا يقرون بالشهادتين.
• صنف: المؤمنون باطنا وظاهرا.
• وصنف: أقروا به ظاهرا لا باطنا.
وهذه الأقسام الثلاثة مذكورة في أول سورة البقرة. وكل من ثبت أنه كافر في نفس الأمر وكان مقرا الشهادتين فإنه لا يكون إلا زنديقا. والزنديق هو المنافق. و هنا يظهر غلط الطرفين، فإنه من كفر كل من قال القول المبتدع في الباطن، يلزمه أن يكفر أقوالا ليسوا في الباطن منافقين، بل هم في الباطن يحبون الله ورسوله ويؤمنون بالله ورسوله، وإن كانوا مذنبين وفيهم بعض مقالات الجهمية أو المرجئة أو القدرية أو الشيعة أو الخوارج، ولكن الأئمة في العلم والدين لا يكونون قائمين بجملة تلك البدعة، بل بفرع منها ولهذا انتحل أهل هذه الأهواء لطوائف من السلف المشاهير.