فهرس الكتاب
الدين.
أما كيفية هذه الحجة التي تقوم على الجاهل فكلامه فيها يبين أنه ضيق جدا فيها، ومع أنه واضح الاختلاف عن مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، فإنه يحاول أن يبين أنه موافق له. ولكن هيهات. فإن كلام ابن تيمية صريح غير مختلف، كما أن قرائن واقع الحال تدل على أنه يكاد يجعل هذه المسائل مما يعذر فيها بالتأويل وهوعنده فرع عن الجهل.
قال ابن عبد الوهاب: «وأصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وفهم الحجة، فإن أكثر الكفار والمنافقين لم يفهموا حجة الله [1] مع قيامها عليهم كما قال تعالى (الفرقان: 44) : {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون، إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} » ، وقيام الحجة وبلوغها نوع، وفهمهم إياها نوع آخر، وكفرهم ببلوغها إياهم وإن لم يفهموها نوع آخر. فإذا أشكل عليكم ذلك فانظروا قوله - صلى الله عليه وسلم - في الخوارج: «أينما لقيتموهم فاقتلوهم» [2] ، مع كونهم في عصر الصحابة. ويحقر الإنسان عمل الصحابة معهم وقد بلغتهم الحجة ولكن لم يفهموها» [3] .
قال أبو محمد: هذا فيه نظر، فإن الخوارج على الصحيح لم يكفروا، وما قاتلهم الإمام علي، كرم الله وجهه، إلا بعد أن عاثوا فسادا وسفكوا الدم الحرام. ونحن لا نقول بعدم ضلال القبوريين وأمثالهم ممن وقع في ناقض من نواقض الإسلام ولكن ندرأ عنهم الكفر بالجهل أو التأويل.
ويقول ابن عبد الوهاب كذلك: «من المعلوم أن قيام الحجة ليس معناه أن يفهم كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر رضي الله عنه، بل إذا بلغه كلام الله ورسوله وخلا من شئ يعذر به فهو كافر كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن مع قوله تعالى: {و جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه} (الإسراء:46) ، وقوله: إن شر الدواب عند الله الصم البكم
(1) هذا على نفس القاعدة التي ذكرت لك في عدم التفريق بين المسلم الواقع في الشرك والكافر الأصلي.
(2) رواه البخاري (6931) ومسلم (1064) .
(3) «مجموع المؤلفات» (3/ 12) .