فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 200

والدليل على ذلك أن جل محنه المتتالية كانت مع مخالفين له في مسائل من «أصول الدين» .

فمحنته الأولى كانت مع الأشاعرة، ولذلك حاكموه في «العقيدة الواسطية» واتهموه بالتجسيم وكادوا يكفرونه، بل قد فعل ذلك بعض غلاتهم وسعوا في سفك دمه.

ومع هذا فهو يقول من داخل سجنه، رضوان الله عليه، عن قاضيه الظالم الذي سجنه بالباطل: «وأنا والله أعظم الناس معاونة على إطفاء كل شر فيها وفي غيرها وإقامة كل خير، وابن مخلوف (القاضي الظالم) لو عمل مهما عمل، والله ما أقدر على خير إلا وأعمله معه ولا أعين عليه عدوه قط، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهذه نيتي وعزمي مع علمي بجميع الأمور، فإني أعلم أن الشيطان ينزغ بين المومنين ولن أكون عونا للشيطان على إخواني المسلمين"."

ولما سعى السلطان الناصر قلاوون المملوكي لسفك دماء أعداء الشيخ، دافع عنهم حتى ذكرها له ابن مخلوف بكل خير.

ومحنة الشيخ الثانية كانت مع الصوفية الغلاة أتباع ابن عربي الحاتمي، القائلين بوحدة الوجود، ومع ذلك فإنه لما راسل شيخهم نصرا المنبجي خاطبه ب «الشيخ العارف بالله تعالى» وأمثال ذلك من الألقاب، وما رأيناه كفره.

أما محنته الأخيرة فكانت مع الغلاة في القبور والصالحين، في مسألة شد الرحال لزيارة قبر من قبور الصالحين وما يتعلق بذلك من مسائل التوسل والاستغاثة والبناء على القبور.

فلما أظهر مقالته تصدى للرد عليه جماعة ومن أجلهم التقى السبكي بكتابه «شفاء السقام» وفيه قرر استحباب شد الرحال لقبر المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، بل وجواز التوسل والاستغاثة به. وعامة من جاء بعده إنما اقتدى به واستمد من حججه وأدلته.

وممن رد عليه الإخنائي وابن جبريل البكري، ولمحا إلى تكفيره بزعم استهانته بالنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فجرد لكل واحد منهما ردا، فرد على الإخنائي في مجلد وعلى البكري في مجلدين. ومع أنه خشن لهما في العبارة دفاعا عن نفسه، لكنه ما كفرهما ولا استحل دمهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت