فهرس الكتاب
بل إن البكري، عفا الله عنه، كان شديدا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلما طلبه السلطان لم يجد مكانا يختفي فيه إلا عند ابن تيمية، ولو كان يراه كافرا مرتدا لسلمه لولى الأمر حتى يريح المسلمين منه.
فتأمل هذا جيدا فإنه في غاية الإفادة.
و بالجملة فإن شيخ الإسلام ما كان يتجرأ على تكفير المعينين ولا يقولن قائل إن الحجة لم تبلغهم إذَّاك، ثم بلغتهم في القرن الثاني عشر قرن الظلام والجهل!!
فأي عصر كان فيه أمثال ابن تيمية والمزي والذهبي وابن القيم وابن عبد الهادي وابن كثير وابن رجب وغيرهم من الجبال التي اعترف بفضلها الموافق والمخالف، من عصر عم جهله وقل خيره؟!!.
على أن دولة المماليك التي كان فيها ابن تيمية لا تكاد تخالف الدولة العثمانية التي حفظت بيضة الإسلام من حدود المغرب الأقصى إلى بلاد فارس شرقا، ومن أسوار ?ينَّا شمالا إلى أدغال السودان جنوبا. لا في عقيدتها ولا بدعها ولا أخطائها.
لكن ابن تيمية ما كفر المماليك، بل كانوا عنده هم الطائفة المنصورة بجهادهم للصليبيين والتتار.
مع أن الدولة العثمانية في جهادها وفتوحاتها ونصرتها للإسلام وحمايتها للبيضة أعظم من المماليك بمراحل.
قال ابن تيمية رحمه الله: «كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن الله فوق العرش لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافرا لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال. وكان هذا خطابا لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم. وأصل جهلهم شبهات عقلية حصلت لرؤوسهم في قصور من معرفة المنقول الصحيح والمعقول الصريح الموافق له» [1] .
ومن أوضح ما يرد على كلام النجديين في طريقة إعمالهم لفهم الحجة ما ذكره الإمام
(1) "الرد على البكري" (ص 259) ط دهلي العلمية.