فهرس الكتاب
فإن قيل: ما ذكرته منقوض بتكفير الشيخ الأعيان بأسمائهم من الفلاسفة والباطنية وأهل وحدة الوجود من غلاة الصوفية. كما أنه كفر التتار مع نطقهم بالشهادتين وصلاتهم وادعائهم الإسلام، بل قد قام بقتالهم قياما عظيما، وقاد أهل الشام في المعارك، وانتصر عليهم في معركة معركة شقحب وأطال الكلام في بيان ردتهم وكفرهم، وكذلك فعل تلميذه ابن كثير في «تفسيره» و «تاريخه» .
قلنا: هذا كله ليس فيما نحن فيه، فإن الفلاسفة وغيرهم ممن ذكر كانوا زنادقة منافقين، وكتبهم مملوءة بالكفر البواح، كذلك أصحاب وحدة الوجود وأشباههم ونحن لا نخالف في كفر هؤلاء في الجملة، كما هو حال كثير من معاصرينا ممن {قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر} (آل عمران:118) .
كما أنني لم أنكر بتاتا كفر من كفره الله ورسوله، وأجمعت الأمة على ذلك، ووجدت شروط وانتفت موانع.
أما التتار فحالهم مختلف عن أولئك، فإنهم في الأصل كانوا مشركين ثم بدأ يفشوفيهم الإسلام شيئا فشيئا، غير أنهم مع نطقهم بالشهادتين، لم يلتزموا شرائعها بل تعصبوا لشريعة جدهم ومؤسس مملكتهم (جنكيز خان) لعنه الله. وزادوا على ذلك هجومهم على بلاد المسلمين وسفك دماء أهلها وترويعهم وسلب أموالهم، فتحرج الناس من قتالهم لكونهم يدعون الإسلام، فبين لهم الشيخ أن هؤلاء طائفة كفر تقاتل لامتناعها عن العمل بشرائع الدين كما قاتل السلف الخوارج، ولا يعني ذلك كفر كل أفرادهم، بل الخوارج أنفسهم قاتلهم الصحابة وما كفروهم وكانوا من أعبد الناس.
و ذلك أن باب القتال أوسع باب من باب التكفير، فرب طائفة ردة أو كفر تقاتل لتلتزم شرائع الإسلام ولا يلزم من ذلك ردة وكفر أصحابها فردا فردا.
و مما يوضح هذا في موقف الشيخ، رحمه الله، ما قاله في «الرد على الأخنائي» :
«من دعا غير الله وحج إلى غير الله فهو مشرك، والذي فعله كفر، لكن قد يكون عالما بأن هذا شرك محرم، كما كثيرا من الناس دخلوا الإسلام من التتار وغيرهم وعندهم أصنام لهم وهم يتقربون إليها ويعظمونها، ولا يعلمون أن ذلك محرك في دين