فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 200

وهذا التأويل بعيد جدا عن مفهوم الحديث، ولهذا فقد شنع عليه ابن تيمية [1] ، وقال أبو محمد بن حزم في رده: «هذا إنسان جهل إلى أن مات أن الله عز وجل يقدر على جمع رماده وإحيائه وقد غفر الله له لإقراره وخوفه وجهله. وقد قال بعض من يحرف الكلم عن مواضعه: إن معنى «لئن قدر عليَّ» إنما هو: لئن ضيق الله علي، كما قال تعالى: {و أما الإنسان إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه} . (سورة الفجر:18) .

قال أبو محمد (ابن حزم) : وهذا تأويل باطل لا يمكن لأنه كان معناه حينئذ: لئن ضيق الله عليَّ ليضيقن على!! وأيضا فلو كان هذا لما كان لأمره بأن يحرق ويذر رماده معنى. ولاشك في أنه إنما أمر بذلك ليفلت من عذاب الله تعالى» اهـ [2] .

وتأوله آخرون على أن ذلك الرجل كان في حال دهش وشدة خوف فلم يضبط ما قاله، ولم يكن جاهلا بقدرة الله على أن يبعثه، وإذا لم يتحقق قصده إلى ما قاله لم يكن مؤاخذا بمجرد القول.

قال الإمام النووي: « ... وقالت طائفة: اللفظ على ظاهره، ولكن قاله هذا الرجل وهو غير ضابط لكلامه ولا قاصد لحقيقة معناه ومعتقد لها، بل قاله في حالة غلب عليه فيها الدهش والخوف وشدة الجزع بحيث ذهب تيقظ وتدبر ما يقوله فصار في معنى الغافل والناسي. وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها. وهو نحو قول القائل الآخر الذي غلب عليه الفرح حين وجد راحلته: «أنت عبدي وأنا ربك» فلم يكفر بذلك الدهش والغلبة والسهو».اهـ.

وهذا التأويل مخالف للواقع، فإن الرجل لم يقل ما قاله فجأة، ولا كان ذلك عن سبق لسان، فإن من جمع أهل بيته وسألهم عن حاله وأخبرهم عن خوفه من عذاب الله تعالى، لما أسرف به على نفسه من الذنوب، ثم أخذ على أبنائه الميثاق بأن يفعلوا به ما يأمرهم، يبعد جدا أن يقول ذلك عن دهش وغلبة حال. وفي رواية عند مسلم أنه قال لأولاده: «لتفعلن ما آمركم به أولاولين ميراثي غيركم، إذا أنا مت فاحرقوني ... إلى أن

(1) «الفتاوى» (11/ 410) .

(2) «الفصل» (3/ 252) ط. دار المعرفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت