فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 200

وقد خالف في ذلك جمهور المعتزلة، فذهبوا إلى عدم صحة إيمان المقلد لأنه لا يصح إيمان إلا بدليل. وهو قول مردود لمخالفته لما عليه أئمة السلف وفقهاء المذاهب الأربعة، فضلا عما يترتب عليه من القول بتكفير عوام المسلمين. وذهب كثير من المتكلمين إلى الشهادة لهذا المقلد بالإيمان مع تفسقيه بترك الاستدلال [1] .

قال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، رحمه الله، في معرض شرحه لحديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله» [2] :

«وفيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف أن الإنسان إذا اعتقد دين الإسلام اعتقادا جازما لا تردد فيه كفاه ذلك، وهو مؤمن من الموحدين، ولا يجب عليه تعلم أدلة المتكلمين ومعرفة الله تعالى بها، خلافا لمن أوجب ذلك وجعله شرطا في كونه من أهل القبلة، وزعم أنه لا يكون له حكم المسلمين إلا به. وهذا المذهب قول كثير من المعتزلة وبعض أصحابنا [3] المتكلمين، وهو خطأ ظاهر، فإن المراد التصديق الجازم وقد حصل، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - اكتفى بالتصديق بما جاء به - صلى الله عليه وسلم - ولم يشترط المعرفة بالدليل. فقد تظاهرت بهذا أحاديث في الصحيحين يحصل بمجموعها التواتر بأصلها والعلم القطعي» . اهـ [4] .

ونقل الشوكاني عن الأستاذ أبي منصور البغدادي قوله:

«فلو اعتقد من غير معرفة بالدليل فاختلفوا فيه، فقال الأئمة: إنه مؤمن من أهل الشفاعة وإن فسق بترك الاستدلال، وبه قال أئمة الحديث. وقال الأشعري وجمهور المعتزلة: لا يكون مؤمنا حتى يخرج فيها عن جملة المقلدين» .

ثم عقب الشوكاني على ذلك بقوله، رحمه الله: «وما حكاه الأستاذ أبومنصور عن أئمة الحديث من أنه مؤمن وإن فسق، فلا يصح التفسيق عنهم بوجه من الوجوه، بل مذهب سابقهم ولاحقهم الاكتفاء بالإيمان الجملي وهوالذي كان عليه خير القرون ثم

(1) «الثوابت والمتغيرات» (ص. 72) .

(2) البخاري (25) ومسلم (22) .

(3) يقصد الأشاعرة.

(4) «المنهاج» (1/ 211) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت