الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، بل حرم كثير منهم النظر في ذلك وجعله من الضلالة والجهالة، ولم يخف هذا من مذهبهم حتى على أهل الأصول والفقه.
أما القول بنفي الإيمان حتى يخرج المرء عن جملة المقلدين، فيا له من قول تقشعر له الجلود وترجف عند سماعه الأفئدة، لما يتضمنه من الجناية على جمهور هذه الأمة المرحومة، وتكليف له بما ليس في وسعهم، ولم يكلفهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بين أظهرهم بمعرفة ذلك، ولا أخرجهم عن الإيمان بتقصيرهم عن البلوغ إلى العلم بذلك بأدلته» اهـ [1] .
قال أبو القاسم محمد بن جزي الكلبي الغرناطي رحمه الله: «ذلك أن الاعتقاد يحصل إما بالنظر وإما بالتقليد. فأما التقليد فاختلف العلماء فيه، فمذهب المتكلمين أنه لا يجوز ولا يجزئ. وقال أكثر المحدثين إنه جائز يخلص عند الله، وهو الصحيح؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قنع من الناس بحصول الإيمان بأي وجه حصل، من تقليد أو نظر، ولو أوجب عليهم الاستدلال أو النظر لعسر الدخول في الدين على كثير من الناس، كأهل البوادي وغيرهم؛ وإنما النظر والاستدلال شأن ذوي العقول الراجحة والأذهان الثابتة، وفيه تتفاوت درجات العلماء وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» [2] .
هذا وقد بين أبو عبد الله محمد بن أحمد ميارة الفاسي رحمه الله اختلاف الأشاعرة في هذه المسألة فقال:
«واختلفوا في الاعتقاد الصحيح الذي عليه الجمهور والمحققون من أهل السنة [3] كالشيخ الأشعري والقاضي (أبي بكر بن الطيب الباقلاني) والأستاذ (لعله أبو بكر بن فورك) وإمام الحرمين (أبي المعالي الجويني) وغيرهم من الأئمة أنه لا يصح الاكتفاء به في العقائد الدينية وهو الحق الذي لاشك فيه.
وقد حكى غير واحد الإجماع عليه وكأنه لم يعتد بخلاف الحشوية [4] وبعض أهل
(1) «إرشاد الفحول» (ص. 266) .
(2) «القوانين الفقهية» (ص: 40) ط. دار الرشاد الحديثة.
(3) يقصد الأشعرية.
(4) يقصد أهل الحديث وحاشاهم أن يكونوا كذلك