قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وكنت أبين أن ما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضا حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين» .
إلى أن قال: «التكفير هومن الوعيد فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول - صلى الله عليه وسلم - لكن الرجل قد يكون حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحود ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئًا» [1] .
وقال أيضًا: «وكل من أظهر الإسلام ولم يكن منافقا فهو مؤمن له من الإيمان بحسب ما أوتيه من ذلك وهو ممن يخرج من النار ولو كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان. ويدخل في هذا جميع المتنازعين في الصفات والقدر على اختلاف عقائدهم» [2] .
وقال تلميذ الحافظ ابن كثير العلامة علي بن أبي العز الحنفي (ت. 792) رحمه الله تعالى في شرحه النفيس ل «العقيدة الطحاوية» بعد كلام في التكفير:
« ... ولأن الشخص المعين يمكن أن يكون مجتهدا مخطئا مغفورا له، أو يمكن أن يكون ممن لم يبلغه ما وراء ذلك من النصوص، ويمكن أن يكون له إيمان عظيم وحسنات أوجبت له رحمة الله، كما غفر للذي قال: «إذا مت فاسحقوني ثم ذروني، ثم غفر الله له لخشيته» ، وكان يظن أن الله لا يقدر على جمعه وإعادته، أو شك في ذلك. لكن هذا التوقف في أمر الآخرة لا يمنعنا أن نعاقبه في الدنيا، لمنع بدعته، وأن نستتيبه، فإن تاب وإلا قتلناه.
ثم إذا كان القول في نفسه كفرا قيل: إنه كفر، والقائل له يكفر بشروط وانتفاء موانع، ولا يكون ذلك إلا إذا صار منافقا زنديقا فلا يتصور أن يكفر أحد من أهل القبلة المظهرين الإسلام إلا من يكون منافقا زنديقا. وكتاب الله بين ذلك.
فإن الله صنف الخلق فيه ثلاثة أصناف:
(1) » مجموع الفتاوى» (3/ 229) .
(2) «الفتاوى» (5/ 254) .