فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 361

والتنقير عن علم التاريخ، وما بصحائفه من عبر وعظات، ومن بين تلك الأسفار ما يخص اليمن المبارك، «مجر عوالينا ومجرى السوابق» ، أحببت أن أقوم بذلك الواجب بعد أن بذلت الوسع، واستفرغت الجهد في جمع الشوارد، وقيد الأوابد، واستقراء النصوص، وتتبع الأدلة حسب الإمكان.

وقد راعيت أمانة النقل، وواجب العلم فيما احتجيت به من كلام الغير، وأبحت القراء من عقلي ونفسي ما أبحتهم من عقول ونفوس من نقلت عنهم، فلم أكتف بنقل ما قالوه وجادت به عقولهم من دون أن أبدي رأيي، ولا سيما فيما تضاربت عنده الأفكار، واختلفت فيه الروايات، فإني لم أقف هنالك وقوف المشدود الحيران، بل تقدمت ومحصت بقدر ما أستطيع، (مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللهُ) ، ومن الله استمد التوفيق، وهو حسبي ونعم الوكيل.

وسأبتدي بذكر حضارة اليمن وأقوال المؤرخين في ذلك.

اليمن مهد الحضارة البشرية

اليمن الخضراء أو اليمن السعيد (1) ذات المروج الخضراء، والسهول الممرعة، والهضبات الخصبة، والجبال الشاهقة، والينابيع الفياضة، والأنهار المتدفقة، والأسداد المحكمة، والآثار الخالدة، مشرق شمس الحضارة، ومطلع أفلاك المدنية، مركز النبوغ ومعهد الثقافة، مهد الإنسان الأول (2) وأقدم بلدان المعمورة رقيا، وأروعها مدنية، وأعظمها عمرانا،

(1) قال المؤرخ المعاصر الدكتور اسرائيل ولفنسون: «يعتقد جلاوز أن كلمة العرب السعيدة عن اليمن إنما هي ترجمة حرفية لكلمة اليمن باليونانية لأنها مأخوذة من اليمن والبركة، لا كما يعتقد المستشرقون أن هذا اللفظ من اختراعات اليونان، هذه ملاحظة دقيقة وتعارض النظرية التي تقول بأن كلمة اليمن تعني ناحية اليمين، كما أن بلاد الشام من ناحية الشمال.

(2) عن ابن قتيبة في كتاب المعارف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت