فهرس الكتاب
وأوجد أعمالكم فهو المنعم عليكم بنوعي الإيجاد والخلق فهذا وزان ما قرروه من كونها مصدرية فأما سياق الآية فإنه في معرض إنكاره عليهم عبادة من لا يستحق العبادة فلا بد أن يبين فيه معنى ينافي كونه معبودا فبين هذا المعنى بكونه مخلوقا له ومن كان مخلوقا من بعض مخلوقاته فإنه لا ينبغي أن يعبد ولا تليق به العبادة
وتأمل مطابقة هذا المعنى لقوله والذين يعبدون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون كيف أنكر عليهم عبادة آلهة مخلوقة له سبحانه وهي غير خالقة
فهذا يبين المراد من قوله والله خلقكم وما تعملون
ونظيره قوله في سورة الأعراف إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم الأعراف 194 أي هم عباد مخلوقون كما أنتم كذلك فكيف تعبدون المخلوق
وتأمل طريقة القرآن لو أراد المعنى الذي ذكروه من حسن صفاته وانفراده بالخلق كقول صاحب يس وما لي لا أعبد الذي فطرني يس 22 فهنا لما كان المقصود إخبارهم بحسن عبادته واستحقاقه لها ذكر الموجب لذلك وهي كونه خالقا لعابده فاطرا له وهذا إنعام منه عليه فكيف يترك عبادته
ولو كان هذا هو المراد من قوله والله خلقكم وما تعبدون كان يقتضي أن يقال ألا يعبدون الله وهو خالقهم وخالق أعمالهم فتأمل فإنه واضح
وقول أبي القاسم في تقرير حجة المعتزلة من الآية أنه لا يصح أن تكون مصدرية وهو باطل من جهة النحو وليس كذلك
أما قوله إن ما لا تكون مع الفعل الخاص مصدرا فقد تقدم بطلانه إذ مصدريتها تقع مع الفعل الخاص المبهم لقوله تعالى بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون التوبة 77 وقوله وأنتم تتلون الكتاب البقرة 44 وقوله بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون غافر 75 إلى أضعاف ذلك فإن هذه كلها أفعال خاصة وهي أخص من مطلق العمل فإذا جاءت مصدرية مع هذه الأفعال فمجيئها مصدرية مع العمل أولى
وقولهم إنهم لم يكونوا يعبدون النحت وإنما عبدوا المنحوت حجة فاسدة فإن الكلام في ما المصاحبة للفعل دون المصاحبة لفعل النحت فإنها لا تحتمل غير الموصولة ولا يلزم من كون الثانية مصدرية كون الأولى كذلك فهذا تقرير فاسد وأما تقريره كونها مصدرية أيضا بما ذكره فلا حجة له فيه