فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 973

وأوجد أعمالكم فهو المنعم عليكم بنوعي الإيجاد والخلق فهذا وزان ما قرروه من كونها مصدرية فأما سياق الآية فإنه في معرض إنكاره عليهم عبادة من لا يستحق العبادة فلا بد أن يبين فيه معنى ينافي كونه معبودا فبين هذا المعنى بكونه مخلوقا له ومن كان مخلوقا من بعض مخلوقاته فإنه لا ينبغي أن يعبد ولا تليق به العبادة

وتأمل مطابقة هذا المعنى لقوله والذين يعبدون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون كيف أنكر عليهم عبادة آلهة مخلوقة له سبحانه وهي غير خالقة

فهذا يبين المراد من قوله والله خلقكم وما تعملون

ونظيره قوله في سورة الأعراف إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم الأعراف 194 أي هم عباد مخلوقون كما أنتم كذلك فكيف تعبدون المخلوق

وتأمل طريقة القرآن لو أراد المعنى الذي ذكروه من حسن صفاته وانفراده بالخلق كقول صاحب يس وما لي لا أعبد الذي فطرني يس 22 فهنا لما كان المقصود إخبارهم بحسن عبادته واستحقاقه لها ذكر الموجب لذلك وهي كونه خالقا لعابده فاطرا له وهذا إنعام منه عليه فكيف يترك عبادته

ولو كان هذا هو المراد من قوله والله خلقكم وما تعبدون كان يقتضي أن يقال ألا يعبدون الله وهو خالقهم وخالق أعمالهم فتأمل فإنه واضح

وقول أبي القاسم في تقرير حجة المعتزلة من الآية أنه لا يصح أن تكون مصدرية وهو باطل من جهة النحو وليس كذلك

أما قوله إن ما لا تكون مع الفعل الخاص مصدرا فقد تقدم بطلانه إذ مصدريتها تقع مع الفعل الخاص المبهم لقوله تعالى بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون التوبة 77 وقوله وأنتم تتلون الكتاب البقرة 44 وقوله بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون غافر 75 إلى أضعاف ذلك فإن هذه كلها أفعال خاصة وهي أخص من مطلق العمل فإذا جاءت مصدرية مع هذه الأفعال فمجيئها مصدرية مع العمل أولى

وقولهم إنهم لم يكونوا يعبدون النحت وإنما عبدوا المنحوت حجة فاسدة فإن الكلام في ما المصاحبة للفعل دون المصاحبة لفعل النحت فإنها لا تحتمل غير الموصولة ولا يلزم من كون الثانية مصدرية كون الأولى كذلك فهذا تقرير فاسد وأما تقريره كونها مصدرية أيضا بما ذكره فلا حجة له فيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت