فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 973

وقابلهم بعض المثبتين للقدر وأن الله هو خالق أفعال العباد فقالوا الآية صريحة في كون أعمالهم مخلوقة لله فإن ما ههنا مصدرية والمعنى والله خلقهم وخلق أعمالهم وقرروه بما ذكره السهيلي وغيره ولما أورد عليهم القدرية كيف تكون ما مصدرية هنا وأي وجه يبقى للإحتجاج عليهم إذا كان المعنى والله خلقكم وخلق عبادتكم وهل هذا إلا تلقين لهم الإحتجاج بأن يقولوا فإذا كان الله قد خلق عبادتنا للأصنام فهي مرادة له فكيف ينهانا عنها وإذا كانت مخلوقة فكيف يمكننا تركها فهل يسوغ أن يحتج على إنكار عبادتهم

أجابهم المثبتون بأن قالوا لو تدبرتم سياق الآية ومقصودها لعرفتم صحة الإحتجاج فإن الله سبحانه أنكر عليهم عبادة من لا يخلق شيئا أصلا وترك عبادة من هو خالق لذواتهم وأعمالهم فإذا كان الله خالقكم وخالق أعمالكم فكيف تدعون عبادته وتعبدون من لا يخلق شيئا لا ذواتكم ولا أعمالكم وهذا من أحسن الإحتجاج

وقد تكرر في القرآن الإنكار عليهم أن يعبدوا ما لا يخلق شيئا وسوى بينه وبين الخالق لقوله أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون النحل 17 وقوله والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون النحل 20 وقوله هذا خلق الله فأروني ما خلق الذين من دونه لقمان 11 إلى أمثال ذلك فصح الإحتجاج وقامت الحجة بخلق الأعمال مع خلق الذوات فهذا منتهى إقدام الطائفتين في الآية كما ترى

والصواب أنها موصولة وأنها لا تدل على صحة مذهب القدرية بل هي حجة عليهم مع كونها موصولة وهذا يبين بمقدمة نذكرها قبل الخوض في التقرير وهي أن طريقة الحجاج والخطاب أن يجرد القصد والعناية بحال ما يحتج له وعليه فإذا كان المستدل محتجا على بطلان ما قد ادعى في شيء وهو يخالف ذلك فإنه يجرد العناية إلى بيان بطلان تلك الدعوى

وأن ما ادعى له ذلك الوصف هو متصف بضده لا متصف به فإما أن يمسك عنه ويذكر وصف غيره فلا وإذا تقرر هذا فالله سبحانه أنكر عليهم عبادتهم الأصنام وبين أنها لا تستحق العبادة ولم يكن سياق الكلام في معرض الإنكار عليهم ترك عبادته وأن ما هو في معرض الإنكار عبادة من لا يستحق العبادة

فلو أنه قال لا تعبدون الله وقد خلقكم وما تعملون لتعينت المصدرية قطعا ولم يحسن أن يكون بمعنى الذي إذ يكون المعنى كيف لا تعبدونه وهو الذي أوجدكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت