فهرس الكتاب
ومن هذا لبس الثوب وألبسته إياه لأن الفعل وإن كان متعديا فحاصل معناه في نفس الفاعل كأنه لم يفعل بالثوب شيئا وإنما فعل بلابسه ولذلك جاء على فعل مقابلة عري وقالوا كسوته الثوب ولم يقولوا أكسيته إياه وإن كان اللازم منه كسى
ومنه واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
فهذا من كسي يكسي لا من كسا يكسو وسر ذلك أن الكسوة ستر للعورة فجاء على وزن سترته وحجبته فعدوه بتغيير الحركة لا بزيادة الهمزة
وأما أكل وأخذ وضرب فلا ينقل لأن الفعل واقع بالمفعول ظاهر أثره فيه غير حاصل في الفاعل منه صفة فلا تقول أضربت زيدا عمرا وأقتلته خالدا لأنك لم تجعله على صفة في نفسك كما تقدم
وأما أعطيته فمنقول من عطا يعطو إذا أشار للتناول وليس معناه الأخذ والتناول ألا تراهم يقولون عاط بغير أنواط أي يشير إلى التناول من غير شيء فنفوا أن يكون وقع هذا الفعل لشيء فلذلك نقل كما نقل المتعدي لقربه منه فقالوا أعطيته اي جعلته عاطيا
وأما أنلت من نال التعدية وهي بمنزلة عطا يعطو لا تبنى إلا عن وصول إلى المفعول دون تأثير فيه ولا وقوع ظاهر به
ألا ترى إلى قوله سبحانه وتعالى لن ينال الله لحومها الحج 37 ولو كان فعلا مؤثرا في مفعوله لم يجز هذا إنما هو شيء منبيء عن الوصول فقط أو ما أتيت المال زيدا فمنقول من أتى لأنها غير مؤثرة في المفعول وقد حصل منها في الفاعل صفة
فإن قيل يلزمك أن تجيز آتيت زيدا عمرا أو المدينة أي جعلته يأتيها
قلت بينهما فرق وهو أن إيتاء المال كسب وتمليك فلما اقترن به هذا المعنى صار كقوله أكسبته مالا أو ملكته إياه وليس كقولك آتى عمرا وأما شرب زيد الماء فلم يقولوا فيه أشربته الماء لأنه بمثابة الأكل والأخذ ومعظم أثره في المفعول وإن كان قد جاء على فعل ك بلع ولكنه ليس مثله إلا أن يريد أن الماء خالط أجزاء الشارب له وحصل من الشرب صفة في الشارب فيجوز حينئذ نحو قوله تعالى وأشربوا في قلوبهم العجل البقرة 93 وعلى هذا يقال أشربت الدهن الخبز لأن شرب الخبز الدهن ليس كشرب زيد الماء فتأمله