فائدة وصف الحرف بالحركة
الحركة قولهم حرف متحرك وتحركت الواو ونحو ذلك تساهل منهم فإن الحركة عبارة عن انتقال الجسم من حيز إلى حيز والحرف جزء من المصوت ومحال أن تقوم الحركة بالحرف لأنه عرض والحركة لا تقوم بالعرض وإنما المتحرك في الحقيقة هو العضو من الشفتين أو اللسان أو الحنك الذي يخرج منه الحرف
فالضمة عبارة عن تحريك الشفتين بالضم عند النطق فيحدث مع ذلك صويت خفي مقارن للحرف إن امتد كان واوا وإن قصر كان ضمة
وكذلك الفتحة عبارة عن فتح الشفتين عند النطق بالحرف وحدوث الصوت الخفي الذي يسمى فتحة أو نصبة وإن مدت كانت ألفا وإن قصرت فهي فتحة
وكذلك القول في الكسرة
والسكون وهو عبارة عن خلو العضو من الحركات عند النطق بالحرف فلا يحدث بعد الحرف صوت فينجزم عند ذلك أي ينقطع فلذلك سمي جزما اعتبارا بانجزام المصوت وهو انقطاعه وسكونا اعتبارا بالعضو الساكن
فقولهم فتح وضم وكسر هو من صفة العضو وإذا سميت ذلك رفعا ونصبا وجزما وجرا فهي من صفة الصوت لأنه يرتفع عند ضم الشفتين وينتصب عند فتحهما وينخفض عند كسرهما وينجزم عند سكونهما ولهذا عبروا عنه بالرفع والنصب والجر عن حركات الإعراب إذ الإعراب لا يكون إلا بعامل وسبب كما أن هذه الصفات التي تضاف إلى الصوت من رفع ونصب وخفض إنما تكون بسبب وهو حركة العضو واقتضت الحكمة اللفظية أن يعبر بما يكون عن سبب عما يكون عن سبب وهو الإعراب وأن يعبر بالفتح والضم والكسر والسكون عن أحوال البناء فإن البناء لا يكون بسبب وأعني بالسبب العامل
فاقتضت الحكمة أن يعبر عن تلك الأحوال بما يكون وجوده تغيرا له الحركات الموجودة في العضو لا تكون إلا بآلة كما تكون الصفات المضافة إلى الموصوف وعندي أن هذا ليس باستدراك على النحاة فإن الحرف وإن كان عرضا فقد يوصف بالحركة تبعا لحركة محله فإن الأعراض وإن لم تتحرك بأنفسها فهي تتحرك بحركة محالها وعلى هذا فقد اندفع الإشكال جملة