فهرس الكتاب
قيل قوله لسانا عربيا حال من الضمير في مصدق لا من كتاب لأنه نكره والعامل في الحال ما في مصدق من معنى الفعل فصار المعنى أنه مصدق لك في هذه الحال والإسم الذي هو صاحب الحال قديم وقد كان غير موصوف بهذه الصفة حين أنزل معناه لا لفظه على موسى وعيسى ومن خلا من الرسل وإنما كان عربيا حين أنزل على محمد مصدقا لما بين يديه من الكتاب فقد أوضحت فيه معنى الحال وبرح الإشكال
قلت كلا بل زدت الإشكال إشكالا وليس معنى الآية ما ذهبت إليه وإنما لسانا عربيا حال من كتاب وصح انتصاب الحال عنه مع كونه نكرة لكونه قد وصف والنكرة إذا وصفت انتصب عنها الحال لتخصصها بالصفة كما يصح أن يبتدأ بها
وأما قوله إن المعنى مصدق لك فلا ريب أنه مصدق له ولكن المراد من الآية أنه مصدق لما تقدم من كتب الله تعالى كما قال وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب المائدة 48 وقال ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه آل عمران 3 وقال وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه الأنعام 92
أفلا ترى كيف اطرد في القرآن وصف الكتاب بأنه مصدق لما بين يديه
وقال وباتفاق الناس أن المراد مصدق لما تقدمه من الكتب وبهذه الطريق يكون مصدقا للنبي ويكون أبلغ في الدليل على صدقه من أن يقال هذا كتاب مصدق لك فإنه إذا كانت الكتب المتقدمة تصدقها وتشهد بصحة ما فيها مما أنزله الله من غير مواطأة ولا اقتباس منها دل على أن الذي جاء به رسول الله صادق كما أن الذي جاء بها كذلك وأن مخرجهما من مشكاة واحدة
ولهذا قال النجاشي حين قريء عليه القرآن إن هذا والذي جاء به موسى يخرج من مشكاة واحدة يعني فإذا كان موسى صادقا وكتابه حق فهذا كذلك إذ من المحال أن يخرج شيئان من مشكاة واحدة ويكون أحدهما باطلا محضا والآخر حقا محضا فإن هذا لا يكون إلا مع غاية التباين والتنافر
فالقرآن صدق الكتب المتقدمة وهي بشرت به وبمن جاء به فقام الدليل على صدقه من الوجهين معا من جهة بشارة من تقدمه به ومن جهة تصديقه ومطابقته له فتأمله