يا أيها الإخوة , هي هذه رحلة الحياة , مجيء و إياب , حضور وغياب. بالأمس كنا ننتظر شهر رمضان , واليوم نودع محطةً من محطات العمر, قد انقضت وولت وذهبت, طوبى لمن ملأها بطاعة الله عز وجل , طوبى لمن صامه إيمانًا واحتسابًا , ولمن قامه إيمانًا واحتسابًا , طوبى لمن ملأ وقته فيه بذكر الله عز وجل وتلاوة كتابه وتسبيحه والتوبة إليه والاستغفار بين يديه , ويا خيبة من ضيّع هذه الأيام النفيسة التي هي أنفس أيام العمر, يا خيبة من ضيعها في معصية الله سبحانه وتعالى , ويا خسارة من قضاها عاكفًا أمام شاشات الضياع والفساد , ويا خيبة من قضاها في أسواق الصخب وفي دنيا المتاعِ وفي دنيا الضياع.
يا أيها الإخوة , ها نحن قد ودعنا شهر رمضان وقضينا أيامه ولن يعود لنا, لن تعود لنا تلك الأيام , وإنما هي بما ملأناها من طاعة أو معصية , من برٍّ وخيرٍ أو شر ومخالفةٍ لأمر الله عز وجل , ونعوذ بالله من معصيته.
فهذه المحطة التي جعلها الله سبحانه وتعالى أيامًا يتزود فيها المؤمن ليكون من أهل التقوى وأهل الصلاح والفلاح, قال الله سبحانه وتعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .
لعلكم تتقون , هذه العطية والهبة الجليلة التي أراد الله عز وجل أن يوصل إليها عباده المؤمنين .. هبة التقوى وعطية التقوى من الله سبحانه وتعالى. وهل في الدنيا أجلُّ وأعظم وأكبر وأسمى من أن يكون الإنسان متقيًا لله سبحانه وتعالى؟
التقوى هي مفتاح كل خير في الدنيا والآخرة (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) , (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) , (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا) .
إذًا هذا الشهر جعله الله سبحانه وتعالى محطةً ليرتقي فيها عباد الله إلى أعلى الدرجات وإلى أسمى الدرجات التي يريدها الله سبحانه وتعالى لهم.
فالمؤمن حينما يتفكر في حاله وينظر في أعماله ويتأمل في كيفية قضائه لهذه الأيام فإن وجد خيرًا فليحمد الله, وإن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
نعم إنها محطة ٌ يتزود فيها الإنسان لأن رحلة الحياة طويلة , رحلة الحياة رحلة المشاق والمتاعب والمحن والكد والسراء والضراء والزلزلة , هذه المحنة يحتاج فيها الإنسان إلى زاد حتى تستقر سفينة الحياة في آخر المطاف إما إلى نعيمٍ مقيم , وإما إلى جحيمٍ وعذابٍ والعياذ بالله.
إذا أيها الإخوة قد ودعنا شهر رمضان , وتزودنا بما يسّره الله سبحانه وتعالى علينا, وبما فتح لنا من أبواب الخير والطاعة والبر, فعلينا أن ندخل في الأيام الجدد بهمة أعلى وبإصرار أكبر وبتحدٍ أشد وبإيمانٍ أقوى , لأننا في معركةٍ دائمةٍ دائبة لا تنقطع , معركة مع أنفسنا (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) , هذه النفس التي تحب الراحة وتتشبث بالدعة , وتميل إلى الركون والكسل والخمول.