فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 967

واليوم ونحن في عصر انقلاب الحقائق آن للرجال أن يتبرقعوا ببراقع النسوان ويلزموا قعر البيوت وظلمات الديار بعد أن أحجموا عن اقتحام المواطن التي لا يخوض لُجّتها إلا الأبطال ويُفسِحوا المجال لضعفة النساء لعلهن يصنعن لأمتهن شيئًا أبوا هم أن يصنعوه, فوا أسفاه على زمنٍ عشّش فيه الخور وفرّخ بين أهله الوهن وغلب عليهم الجُبن حتى اضطرت النساء ذوات الخُدور وربّات الحِجال أن يقفن مواقف الرِجال وأن ينزلن إلى الساحات بِنداءات التكبير والبحث عن النصير, وصرخات الاستغاثة يحركهن الإيمان الحي والضمير اليقظ والقلوب المتفجرة ببراكين الغيرة على الحق والمُتدفقة بأنهار الحسرة على دينٍ ثُلِم وعِرضٍ انتُهِك وشريعةٍ امتُهِنت وذلك في بلدٍ عبث فيه الفاسِدون المُفسِدون وتسلط عليه المارِقون المرتدون وخنّثه عُبّاد الشهوات المُتميعون, فكلنا سمع بجامعة حفصة في مدينة إسلام آباد في باكستان الجريحة والتي وقفت موقفًا استحقت معه بجدارة أن تكون جامعة حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ذلك الموقف الذي صرخت فيه العِفة والصيانة والحصانة في وجه التهتك والمجون والخلاعة, وعلت فيه أصوات الاعتزاز بالإيمان والاستعلاء بالعقيدة لتنظر باحتقار واستصغار لدعاوى الحضارة العصرية الرديئة والحرية الغربية الماجنة التي يروج لها دعاة الرذيلة في باكستان لتلتحق بركب الجاهلية المُعاصِرة , فنادى الإيمان بأعلى صوته حتى ارتجّت الأرض بأصدائه ليزلزل هذا الكيان الجاهلي الهش (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) .

نعم هي جامعةٌ ربما لا وزن لشهادتها في عالم شهادات الدنيا التي يتهافت لنيلها الكثيرون ولكن شهادتها هذه المرة وبهذا الموقف نالت بها أوسمة الفخر وتبوّأت معها أعلى مراتب التقدير واعترف بها وأذعن لها المُحب والمُبغِض لأنها شهادة حقٍ وصِدقٍ وإيمان, شهادة حق حيث نطقت بالحق ورفعت شِعار الهُدى ودوّت بكلمات اليقين وأيدت دعوات العِفة وصرخت في عالم الظلمات المُطبقة (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .

شهادة حق لأنها تحركت ببواعث الغيرة على الدين وثارت بحمية الانتصار للعقيدة ودفعها أنفة الانقياد لدعاة الابتذال وأخرجها اعتزاز النفس ولو مع ضعفها بالانتماء الصادق لدين الإسلام فقذفت في وجه الباطِل المهين (قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّهُ مِنْهَا) .

شهادة حق لأنها فضحت الباطل ومزّقت أربية الدجل عن وجوه أهله السوداء الكالحة وأخرجته من ملاذات المخادعات ليقف أمام الجميع عاريًا مفضوحًا مقبوحًا لا يواريه شيء وألقته مُحتقرًا حيث يستحق (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ) .

شهادة حق لأنها انبثقت عن الفطرة النقية وانبعثت من أعماق القلوب المُوحدة وانتفضت بسجية النفوس الزكية ولم تترقب إذنًا من مموهٍ مفترٍ ولا تزكية من مداهنٍ مُتملق ولا تقديرًا وتشريفًا من طاغيةٍ عابِثٍ عائِث فالإذن والتزكية والتشريف كلها في قول الكريم ذو الفضل (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت