هكذا علمتنا مدرسة الجهاد وهكذا اغترفنا ونغترف من معينه الذي لا ينضب دروسًا متوالية , شدة ورخاء , وفرحٌ وترح , ونصرٌ وهزيمة , وعبرٌ وعبرات واستقبال رجال وتوديع أبطال وإنما الفوز في رجاء الثواب بالصبر الجميل والثبات على السبيل والإخلاص في ذلك لله الكريم.
(وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُوا تَالَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَمَا تَالَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) , فالأيام بيننا وبين أعدائنا دول، نصاب ويصابون ونألم ويألمون ونصابر ويصابرون , ولكن العاقبة في الدنيا والآخرة للمتقين (إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) .
وإن من أعظم ما ذُقنا و رأينا في ساحات الجهاد من الآلام المرّة , والأحزان الثقيلة فراق الأحبة ووداع الرفقة وغياب الأصحاب وإن حزننا ليس على قتلهم وذهابهم فحسب، فإنا لنرجو أن يكونوا قد نالوا الشرف الذي سعوا إليه وحرصوا عليه، وإنما حزننا على أننا خلفنا بعدهم , وبقينا وراءهم , فوالذي نفسي بيده لوددت أني غادرت مع أصحابي يوم أن وُدِّعوا وأودِعوا قبورهم الطاهرة.
ثلاثٌ يعزّ الصبر عند حلولها *** ويذهل عنها عقل كل لبيبِ
خروج اضطرار من بلاد تحبها *** وفرقة إخوانٍ وفقد حبيبِ
فما عرفنا حقيقة الصحبة ومعنى الأخوة الإيمانية وتمكن المحبة الصافية إلا في ساحات الجهاد , حيث تتلاقى الأرواح وهي تحلق في سماء الاشتياق إلى الله , وتمتزج الدماء وهي تسيل بسخاء فوق ربوع الإباء , ويتجلى التنافس على الخيرات في أسمى صوره , وأرقى حالاته فلا دنيا يُتكالب عليها ولا متاعٌ زائفٌ يُتنافس في كسبه , إنما هو روح الإيمان وطلب الجنان والحرص على الشهادة، فلا يحرم من جنة الدنيا هذه إلا محروم ونعوذ بالله من ذلك.
أمة الإسلام , ننعى إليكم اليوم بطلًا مقدامًا من أبطال الإسلام , وقائدًا فذًا من قادته العظام , الذين أرقهم حال أمتهم وما تعيشه من ضعف بعد قوة , وذلةٍ بعد عزة وهوانٍ بعد رفعة , فكابد الحياة من أجل انتشالها عن انحطاطها وإخراجها من مآزقها وإعادتها إلى سابق مجدها فكان فقده فقدًا وغيابه حقًا غيابا.
لعمركَ ما الرزيةُ فقد مالٍ *** ولا شاةٌ تموتُ ولا بعيرُ
ولكن الرزيةَ فقد حرّ *** يموتُ لموته خلقٌ كثيرُ
ننعى إليك أمتنا الحبيبة رجلًا من الرجال الذين سطروا مواقفهم على صفحات التاريخ بجلد الرجال وهمّة الآساد وصرامة القادة وذلة المؤمن للمؤمن وكان ختامه مسكًا كما نحسبه والله حسيبه (وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ) .