ننعى إليك نموذجًا حيًا ممن صنعهم الجهاد وصاغتهم العقيدة وصبغهم الاعتزاز بدينهم فأنفوا الذلة وتبرؤوا من المهانة ونبذوا الاستكانة وأخذوا الكتاب بقوة فرفعهم الله به (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) .
ننعى إليكم ليثًا من ليوث الحروب , وحماة الحقائق ورفقاء السيوف وسقاة الحتوف الشيخ المجاهد والمربّي القائد والهزبر المقدام (أبا الليث القاسمي) رحمه الله تعالى وتقبله في الشهداء ورفع درجته ومنزلته في عليين وجعله رفيق النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
ونقول في مصابنا الجلل إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع وما نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا على فراقك يا أبا الليث لمحزونون قال الله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) فإنا لله وإنا إليه راجعون.
إلى الله أشكو لا إلى الناس فقده *** ولوعة حزنٍ أوجع القلب داخله
فبعد مسيرة حافلة من البذل والعطاء والعمل الدؤوب والجهاد المستمر يحف ذلك كله همةٌ عالية , ونظرةٌ ثاقبة وعقلٌ راجح وخبرةٌ واسعة وتجارب متنوعة وخلقٌ سامٍ ودّع شيخنا المقدام وليثنا الهمام ساحات الجهاد والإعداد والرباط , بل ودّع الدنيا كلها ليسلم الراية لمن بعده ولسان حاله يقول لمثل هذا فليعمل العاملون.
وإنا لنحسب أنه ممن عاهد فوفى وصدق فيه قول الله تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) .
فما حادَ عن درب الهداةِ وإنما *** على العهدِ أمضى عمره لم يغيرِ
أتته المنايا شاخصاتٍ فما انثنى *** فقالَ لها أنتِ المُنى فتشمّري
نعم, ودّع تلك الساحات التي ألفها وألفته , وأحبها وأحبته وقد سطرَّ بدمائه الزكية ما سطره من قبل بمداده الوفي حيث يقول في حق إخوانه الذين سبقوه بالشهادة:"يا رفاق الدرب قد بلغتنا رسالتكم وأقمتم علينا حجتكم ومهدتم بأزكى ما تملكون لمن بعدكم الدرب ولا نملك إلا أن نقول:"
كفى الشهادةَ فيما بيننا نسبًا *** إن لم تكن جمعتنا وحدة النسبِ
مهما يكن من هنات بيننا معكم *** يبقى على الدهر عهدُ غير مقتضب
وقد والله مللنا من بعدكم الحياة وصار زلالها مرًا ولذيذها غصصًا وما هي إلا جولةٌ من جولات الحق على الباطل حتى ينصر الله الدين ويلحقنا بكم في عليين , إن شاء الله , إن شاء الله"."