فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 967

هكذا تخرج الكلمات من القلوب الصادقة في ودادها والراسخة في عقيدتها والمستيقنة بسلامة طريقها والوفيّة لأحبتها ورفقاء دربها , تخرج بعفوية المحبين وسلاسة المشتاقين لا تكلف فيها ولا تنميق ولا تقعر معها ولا تسجيع فتتسلل إلى القلوب لتستقر في أعماقها وتهيج كوامنها لا يحول دونها حائل ولا يمنع منها حاجب.

تسعةَ عشرَ عامًا , قضاها شيخنا في ساحات الجهاد المختلفة فصال وجال وقاتل ونازل وصبرَ وتصبّرَ وصابر، خاضَ المعاركَ ومعامعها واعتاد الخطوب وقوارعها ركبَ المخاطر وازدرى ترهيبها , واقتحم الغمرات ولم يعبأ بشدائدها، وقد أخذ بزمام الصعاب ليذللها بعزمه وعزيمته ويدنيها بهمته وحكمته , فكأني بصدى صوته يتردد بين جبال أفغانستان وصحارى ليبيا وسجون جلادي آل سعود:

لأستسهلنَّ الصعبَ أو أدرك المنى *** فما انقادت الآمال إلى لصابرِ

ليبين لأمته طريق المجد ومسلك التمكين ودروب نيل المعالي فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُون) .

ومن طلب العلا بغير كدّ *** سيدركهُ إذا شاب الغرابُ

لم يطق العيش تحت ظل الطغاة وأحكام الجاهلية وهو يسمع قول الله تعالى: (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) .

فلبى مناديَ الجهاد وطار إلى ساحات العزة والتضحية وروحه تسبق جسده وهو يقول لكل متشبث بأرضه مستمسك بعرَضه مستثقلٍ مفارقة أهله وولده:

ليس ارتحالكَ في كسبِ العلى سفرًا *** بل المقامُ على ذلٍ هو السفرُ

نعم، انتفضَ كما انتفض غيره من أهل الغيرة على الدين والحميّة على العقيدة والشوق إلى الله ليقرع باب الجنان في كل حين ولم يلتفت إلى الذين يموّهون قعودهم بمزاعم الحكمة ويكسون حرصهم على الدنيا بكساء الأناة والتعقل وهو يتلو آيات الله البينات: (إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ، وهو يقرأ قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) .

ويرمي في مسامع كل قائدٍ خامد:

تجهلُ في الإقدامِ رأيي معاشرٌ *** أراهم إذا فروا من الموتِ أجهلا

أيرجو الفتى عند انقضاء حياتهِ *** وإن فرَّ عن وِرد المنيةِ أزحلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت