يُلقي على الساحات من دمه دما *** ليقول يا دنيا أطلي واشهدي
فهنا ميادين الجهاد نمدها *** دفقا بأمواج الدم المتجدد
وهنا رباط المؤمنين وساحة *** لجهادهم أو آية للمهتدي
وإنه لخليق - وحق له أن يكون كذلك - لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من خير معاش الناس لهم رجل آخذ بعِنان فرسه في سبيل الله كلما سمع هيعة أو فزعة طار إليها يبتغي الموت مظانة) .
وكأني به وهو يجوب ساحات الجهاد، ويخوض غمرات الجلاد، ويترقب في لهف يوم الاستشهاد يصرخ في الآفاق بقوله وفعله؛
سأحمل روحي على راحتي *** وألقي بها في مهاوي الردى
فإما حياة تسر الصديق *** وإما ممات يغيظ العدا
نعم! قتل الشيخ أبو مصعب الزرقاوي ليثبت بالبرهان القاطع أن الكلمات النيرات التي كان يبعثها لأمته ويقتطعها صدقًا وإخلاصًا من صميم قلبه لم تكن مجرد دعاوى فارغة أو عبارات مزخرفة أو خطب رنانة، وإنما كانت منهجًا وعقيدة ومبدءً تسفك من أجله الدماء وتتطاير لإحيائه الأشلاء وتوهب لإعلائه الحياة، فلم يكتف بأن يكون دليل صدقه جهده وعرقه سهره حتى جعل مسك ختامه روحه ودمه، ليقول للعالم كله؛ إن عقيدتي وديني ومنهجي أغلى وأعلى من كل شيء حتى ولو كانت نفسي التي بين جنبي، والبينة ما رأيتم وعاينتم لا ما سمعتم وخُبرتم.
نعم! قتل الشيخ أبو مصعب الزرقاوي، ولكن هل يفقه أعداؤه الذين صفقوا لموته أنهم قد قدموا له أعظم أمنية وأشرف هدية وأسمى غاية كان يطلبها؛ إنها الشهادة في سبيل الله، وهل بعد الشهادة مطلب، {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} .
ولما رأوا بعض الحياة مذلة *** عليهم وعز الموت غير محرم
أبوا أن يذوقوا العيش والذم واقع *** عليه وماتوا ميتة لم تذمم
ولا عجب للأسد إن ظفرت بها *** كلاب الأعادي من فصيح وأعجم
فحربة وحشي سقت حمزة الردى *** وحتف علي في حسام ابن ملجم