فهرس الكتاب
فاليوم هو الثاني عشر من شهر جمادى الثاني لعام 1428 لهجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
وهذا اليوم هو آخر أيام الدورة الشرعية التي نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يدَّخر لنا أيامها ننتفع بها يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم, وكما قلت لكم في أول الدورة؛ فإن مثل هذه الدورات هي مثالٌ لعمر الإنسان الذي له بداية ونهاية، ونهايته بحسب اجتهاده في عمره؛ فالدورة كما رأينا كانت تحتاج منا إلى اجتهاد ومدارسة ومراجعة حتى ينال منها الإنسان ما يريد من العلم الذي جلس أصلًا لطلبه، ومن فضل الله -عز وجل- علينا أن جمع لنا بين عبادة الجهاد وبين عبادة طلب العلم، وهذا من عزيز نعم الله -عز وجل- وهو الكريم المنَّان الجواد، أن يجمع الله -سبحانه وتعالى- لعبده بين أشرف وأعظم العبادات؛ فالجهاد -كما نعلم- هو أعظم العبادات؛ كما ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بل كما جاء في كتاب الله عز وجل: {لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ .. } {النساء:95} إلى آخر الآية.
فمن انضم إلى جهاده التفرغ لطلب العلم ولو لأيام معدودات فليعلم أن هذا من فضل الله سبحانه وتعالى عليه, لماذا؟
لأننا إنما خلقنا أصلًا لعبادة الله -عز وجل-, قال الله -عز وجل: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} {الذاريات:56} ، والعبادة هي تكاليف من الله -عز وجل- أي هي أمر ونهي, وما من عبادة من العبادات سواءً كانت صلاة أو صيامًا أو حجًا أو جهادًا إلا ولها أحكام يحتاج المسلم لأن يعرفها، فإذا يسر الله لك باب طلب العلم فاعلم أنما يسر لك عبادته على بصيرة؛ لأن الإنسان لابد أن يعبد الله، فإذا لم يعبد الله على علم وفهم وبصيرة وبينة فسيعبد الله قطعًا على جهل وعلى عماية والعياذ بالله, فهذه من نعم الله -سبحانه وتعالى- التي علينا أن نستشعرها في كل وقتٍ, ثم أن نجتهد في أداء شكرها حتى لا تضيع علينا، ونحن نعلم حديث النبي صلى الله عليه وسلم:"نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس؛ الصحة والفراغ"، أنت بقيت في هذا البيت أو في هذا المركز طوال هذه المدة بعيدًا عن أهلك وبعيدًا عن إخوانك متفرغٌ لشيء واحد وهو طلب العلم؛ فهذه من النعم العظيمة التي يسرها الله عز وجل لك.
إذًا عبادة العلم -وهو عبادة بلا شك- وعبادة الجهاد هي من أعظم ما ييسره الله -سبحانه وتعالى- لعبده المؤمن, هذا هو الأمر الأول.
مما نستخلصه من هذه الدورة؛ هو أن الفصام الذي يحاول بعض الناس أن يختلقه بين عبادة الجهاد وبين طلب العلم هذا لا حقيقة له, يعني أن افتراض وجود جهادٍ بلا علم هذا غير صحيح وأن افتراض أن العالم أو طالب العلم لا يستطيع أن يجاهد هذا غير صحيح, لماذا؟
لأن الله سبحانه وتعالى أخبرنا عن حقيقة كتابه وقال: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} {النساء:82} ، هذه هي آيات الله -عز وجل- التي في القرآن، فكما أن كتاب الله -سبحانه وتعالى- المنزل من عنده لا تعارض بين آياته ولا اختلاف بين أحكامه، فكذلك العبادات التي أمرنا الله -عز وجل- بها لا تعارض