فهرس الكتاب
بينها, فهذا الأمر الذي حاول البعض أن يحدثه وأن يصطنعه وأن ينفخ فيه وأن الجهاد والعلم لا يلتقيان هذا غير صحيح، ودليله هو ما نعيشه نحن الآن، هذا بفضل الله -عز وجل- دليل على أن طلب العلم يمكن أن يكون في ساحات الجهاد, وكم من الأحكام الفقهية التي لا تتعلق بالجهاد نزلت في ساحات الجهاد, منها آيات التيمم، أين نزلت آية التيمم؟
نزلت والنبي صلى الله عليه وسلم في طريقه راجع من غزوة من الغزوات.
ثم إن الله عز وجل أخبرنا بهذا وقال: {وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} {التوبة:122} .
إذًا تيسير الله لنا أن نجمع بين عبادة الجهاد وبين طلب العلم هذا من أعظم ما أكرمنا الله -سبحانه وتعالى- به هذا هو الأمر الأول الذي لا بد أن تتنبهوا إليه.
الشيء الآخر كما ذكرنا أنه لا تعارض بين طلب العلم وبين الجهاد في سبيل الله, ونحن كمجاهدين مطالبون بأن نتعلم أحكام ديننا كغيرنا من المسلمين, ولا أقصد بأحكام ديننا فقط ما يتعلق بعبادة الجهاد؛ لا, نحن مطالبون بأن نعرف أحكام الصلاة, أحكام الطهارة, أحكام الصيام, كل عبادةٍ أوجبها الله -عز وجل- على المؤمنين وفرضها فلا بد للمجاهد أن يعرف أحكامها، فإن المجاهد ليس شخصًا مستثنى من أحكام الله -عز وجل-، وليس شخصًا خارجًا عن التكاليف الشرعية، وإنما هو كغيره من المسلمين، فكما أننا في ساحات الجهاد نتعلم أحكام الجهاد وآدابه وقواعده وضوابطه، فكذلك نحن أيضًا مطالبون بأن نتعلم أحكام العبادات الأخرى؛ ما فائدة أن يجاهد المجاهد وأن يقاتل في سبيل الله وهو لا يحسن كيف يتوضأ!؟ وهو لا يحسن كيف يصلي!؟ وهو لا يحسن كيف يصوم!؟ ما فائدة هذا!!، يعني يعبد الله في جهاده على بصيرة، ويعبد ربه على عماية وغواية وضلالة في الصلاة وفي غيرها, هذا لا يمكن أن يكون.
فبضل الله -عز وجل- أن وفّقنا لأن نثبت حقيقةً وعملًا أن هذا لا تعارض بينه، كما أن كتاب الله لا اختلاف بين آياته، ولا تصادم بين أحكامه، فكذلك العبادات التي أمر الله -عز وجل- بها لا تعارض ولا اختلاف بينها .. واضح؟ جيد.
الأمر الثالث الذي أريد ان أنبه عليه, وافتحوا معي آذانكم، هو أن الشخص الذي أخذ هذه الدورة وتعلم ما فتح الله -سبحانه وتعالى- عليه فيها، لا يعني أنه تخرَّج منها ليكون فقيهًا ومفتيًا ومتصدِّرًا للمجالس يفتي بيجوز ولا يجوز وهذا حرام وهذا حلال، لا؛ إنما جلسنا هنا فقط لنتعلم أحكام الله حتى نعبد الله على بصيرة، أما مرتبة الفتوى ومرتبة هذا حلال وهذا حرام فهذه دونها مفاوز حتى يصلها الإنسان، هذه لا يمكن أن تُكتسب في شهرٍ ولا شهرين، ولا في سنةٍ ولا في سنتين، الإمام مالك -وهو من هو- يقول ما جلست في هذا المجلس -يعني حتى أُفتي- حتى شهد لي ثمانون عالمًا أنني أهلٌ للفتيا، ثمانون عالمًا شهدوا للإمام مالك قالوا له أنت الآن لك أن تُفتي،