فهرس الكتاب
أين الآن؟!، من سيشهد لنا بأننا أهلٌ للفتوى، وفي شهرٍ أو شهرين، أو سنةٍ أو سنتين، وأحدنا ربما لا يحسن أن يقرأ سورة الفاتحة، وأن يميز بين الواجب وبين المستحب، وبين المكروه وبين الحرام، فعليكم أن تتقوا الله -سبحانه وتعالى- لا أريد أن أسمع شخصًا منكم خرج من هنا وتصدَّر المجالس، وأصبح يقول هذا حلال وهذا حرام، نعم؛ لك أن تقول الذي درسته هو هذا، أما أن تُفتي في المجالس وفي المسائل العينيَّة، يأتيك شخصٌ ويستفتيك وتقول له هذا جائز وهذا محرمٌ وهذا مكروه، هذا غير مقبولٍ شرعًا وكذلك لا نرتضيه في أخلاقنا وفي تربيتنا، فتنبهوا لهذا الأمر وهذا من أكثر الأمور التي أريدكم أن تحرصوا عليها، فهمتم هذا جيدًا؟ نعم.
إذًا هذه الأمور التي أحببت أن أنبِّه عليها، ثم مما نستفيده في مثل هذه الدورات -وإن كانت مختصرة- أن نعرف قدر العلماء ومنزلتهم ومكانتهم، العلماء هم كالشمس في رابعة النهار إذا وُجدوا استطاع الناس أن يعيشوا عيشةً صالحة، واستطاعوا أن يتصرفوا في حياتهم تصرفًا طبيعيًا، وإذا غابت الشمس ماذا سيحصل؟ ما الذي سيحل بالناس؟، الظلام؛ الظلام هو الجهل والعماية والغواية والبدعة وغير ذلك من الضلالات، فالعلماء نعرف قدرهم بمثل هذه الدورات.
أنت إذا اجتهدت لمدة شهرٍ واحد في الحفظ والتكرار والمراجعة والمدارسة والاستشكال وغير ذلك، وجدت نفسك بذلت جهدًا حتى تحصَّلت على قدرٍ أو جزءٍ بسيطٍ جدًا لا يُذكر من العلم، ومع ذلك تفرح بما آتاك الله -سبحانه وتعالى-، فكيف بعالمٍ قضى عمره كاملًا وهو مجتهدٌ في طلب العلم، وفي تعليم الناس، وفي الصبر على المراجعة، والصبر على الفتوى، والدعوة إلى الله -عز وجل- وغير ذلك، أين أنت من هذا؟!، فلا نريد أن نجعل مجالسنا لمماراة السفهاء ولا لمجاراة العلماء، وإنما نريد أن نعرف قدر هؤلاء العلماء الصالحين، الذين يخشون الله ويبلغون رسالاته ولا يخشون أحدًا سواه. فهمتم؟ هذا لا بد أن تتنبهوا له، إذا رأيت عالمًا صالحًا يخشى الله -عز وجل- فاعرف قدره، وتذكر أنك صبرت شهرًا أو شهرين في طلب العلم ووجدت أن الأمر يحتاج إلى جلدٍ وإلى مصابرة وإلى مراجعة حتى لا يضيع ما عندك من العلم، فكيف بهذا العالم الذي ربما قضى عمره كله في هذا الأمر، هذا يجعلك تعرف قدر الناس وتعرف منازلهم وما يستحقونه من التعظيم والتوقير والتبجيل.
والعلماء -كما قلنا- الله سبحانه وتعالى أشركهم في شهادته على وحدانيته، أعظم شهادةٍ على الإطلاق، على أعظم شيء على الإطلاق، {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالمَلَائِكَةُ وَأُولُو العِلْمِ قَائِمًا بِالقِسْطِ} {عمران:18} ، شأن العلماء كبيرٌ جدًا ولو زلوا ولو أخطؤوا فالله -سبحانه وتعالى- لم يخلق خلقه البشر معصومين من الخطأ، من قال أن الإنسان لا يخطئ!! من قال أن الإنسان لا يصيبه شئٌ من الهوى أحيانًا يأخذه يمينًا أو شمالًا!! ولكن نحن قواعدنا في دين الإسلام أن الحسنات يذهبن السيئات وليس أن السيئات يذهبن الحسنات، لا نأتي إلى عالم بذل جهده وعمره في الدعوة إلى الله -عز وجل- وفي تعليم الناس وفي تفقيههم ثم أخطأ أو زل في مسألةٍ أو مسألتين فنسبه او نشتمه ونمسح كل حسناته هذه، هذا ليس ميزان الشرع هذا ميزان الهوى، ونحن لسنا من أهل الأهواء {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} {المائدة:8} هذا هو ميزان الشرع. فهمتم هذه المسألة الثالثة؟