فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 967

تلك الأرواح وبقيت أجسادهم الطاهرة تكتظ بها الزنازين وقد تضمخت جدرانها البائسة بدماء لم يجرِ معها إلا الولاء لله ولرسوله والمؤمنين , لتبقى تلك الحادثة المنسية شاهدة على الحقد الدفين الذي يفيض به قلب الطاغية المتجبر القذافي وزبانيته المرتدين , وليعطي درسًا عمليًا في العداء الصارخ للإسلام والمسلمين , وليعلن بفعلته النكراء أن الشعب الليبي المسلم برمته لا يزن عند هذا العميل وجنوده الخاطئين مثقال ذرة , وأن قتل خيارهم أهون عليه من قتل الذباب , قال الله عز وجل عن مشهد بشع من مشاهد تجبر الطغاة القساة واحتقارهم لشعوبهم مما يشبه هذه الواقعة: {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ 4} النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ {5} إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ {6} وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ {7} وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ {8} الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ {9} إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ {10} .

طويت تلك الصفحة ولكن لم تطو أحزانها وآلامها ولما يؤخذ بثأرها بعد , فقد انتصر أولئك الأبطال وإن كانوا مكبلين , انتصروا بعلو إيمانهم ورسوخ عقيدتهم وقوة ثباتهم , وما نرجو لهم من الفوز العظيم والمساكن الطيبة أعظم وأكبر في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر , وانحدر الطاغية وزبانيته بأفكارهم الهزيلة وتبجحهم الموهوم وانتفاشتهم الخاوية ومخازيهم المتوالية ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون , فما كادت تنقضي فصول هذه الجريمة , وتجف دماء أصحابها الأبرار حتى ألحقها بأختها بقتل أخينا البطل ابن الشيخ رحمه الله تعالى لأن الفطام عن المألوف شديد وعسير , وقد أَلِفَ هذا النظام المرتد اقتراف الجرائم والعبث بالأرواح وإزهاق الأنفس والتنكيل بكل من يشتم منه رائحة الاعتراض , رافعًا لواء سلفه وسلف أمثاله {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} .

فلقد عرفت أفغانستان ابن الشيخ -رحمه الله- مهاجرًا صابرًا مرابطًا مربيًا بأخلاقه الرفيعة وحيائه الشديد وتواضعه الجم و شهامته النادرة ومواقفه الفذة وكثرة عبادته ودوام تلاوته لكتاب ربه ورفقه ومحبته لإخوانه , وقد كتب الله له القبول في قلب من رآه ومن لم يره ممن سمع به وعرف مآثره , كما منَّ الله عليه بأن يسد ثغرة قل ما يصبر عليها إلا أهل الاحتساب وانتصب لإحياءِ ونشرِ علم غابت معالمه وهانت الأمة عندما فرطت فيه وطمع فيها أعداؤها لما تخلت عنه , واستعلى عليها الأراذل بعدما تنكرت له , إنها عبادة الإعداد للجهاد في سبيل الله تعالى الذي فرضه الله عزوجل في كتابه بقوله: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ} , فأمة الإسلام ما تجرعت كؤوس الذل وما حل بها الهون إلا بابتعادها عن صهوات الخيل واتباعها أذناب البقر ونسيانها الرمي واعتنائها باللهو واغتنائها باللغو , فحق لمعسكرات التدريب التي كان لابن الشيخ فيها صولات وجولات أن تتمثل قول الشاعر:

هوى فهوت أركان عز وأعوزت *** ثغور به كانت أوامن للذعر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت