ولما بدأ عباد الصليب هجمتهم على إمارة أفغانستان الإسلامية وأجلبوا عليها بخيلهم ورجلهم كان ابن الشيخ -رحمه الله- ممن شمروا عن ساعد الجد وقاموا في وجهها بما في وسعهم وصبروا وصابروا في قتالهم والتصدي لهم , فبقي مع إخوانه في تورا بورا إلى آخر لحظة فلما ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وبدأت رياح الخيانة والردة تهب عليهم من قبل عملاء أمريكا اتجه مع عدد من إخوانه صوب باكستان التي كان طاغيتها المنبوذ قد تعهد بوقوفه جنبًا إلى جنب مع حامية الصليب العالمي أمريكا في حربها على الإسلام والمسلمين , وهناك بدأت رحلته في سجون الحملة الصليبية فتم اعتقاله هو وعدد من رفقائه , فبقي مدة في سجن كوهات ثم تم تسليمه لحامية الصليب فنقل إلى قندهار وبعدها إلى كابل التي بقي فيها مدة قصيرة مع التعذيب والتنكيل , فلما لم يفلحوا في أخذ شيء من المعلومات منه هددوه بالتسليم إلى إسرائيل أو الأردن أو مصر, وبالفعل تم نقله في تابوت تمامًا كما ينقل الموتى في رحلة طويلة بين كابل والقاهرة , فبقي في سجون فرعون مصر , وما أدراك ما سجون مصر! , سنة كاملة , أخذت منه اعترافات كاذبة قهرًا وقسرًا ثم أعيد إلى سجن الظلام في كابل فبقي فيها عدة أشهر أصبح معها وزنه يتناقص شيئًا فشيئًا حتى حذر أحد دكاترة السجن من أن بقاءه على هذه الحال سيؤدي قطعًا إلى وفاته فتم نقله بعد ذلك إلى سجن يقع في وادي بانشير في شمال أفغانستان في يونيو عام 2003 فهناك كان أول لقائي به داخل السجن فرأيته ضعيفًا نحيفًا مع نحافته أصلًا قد انحنى ظهره ولكنه والله كان غايةً في الصبر وقمة في الثبات وحسن الظن بالله ودوام التلاوة لكتابه بصوته الندي مع التصبير لإخوانه بل وحثهم على اغتنام الوقت لحفظ القرآن الكريم الذي ملك حبه شغاف قلبه بمعنوياته العالية ونفسه الراقية , وما أكثر ما كنت أقول له وهو على تلك الحال:"كيف المعنويات يا ابن الشيخ؟", فكان يجيبني:"عشرة على عشرة"!
وقد قال لي مرة:"إن الله إذا أراد أمرًا هيأ له أسبابه , وإن أمريكا قد تورطت بالدخول إلى بلدين ما أفلح من دخلهما أبدًا: أفغانستان والعراق , وستكون نهايتها فيهما بإذن الله".
نعم , يقول هذا الكلام وهو في تلك السجون المغيبة في أودية بانشير في غرف مظلمة طولها متران وعرضها متر واحد , وليس هناك من علامات فرج ولا مخرج ولا بصيص أمل إلا في قلوب الواثقين بوعد الله , المستيقنين بلطف تدبيره سبحانه التالين لقوله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} , فبقي في هذا السجن مدة خمسة أشهر تحسن فيها حاله واستعاد شيئًا من صحته وقوته , ثم أعيد مرة أخرى إلى سجن الظلام وذلك بعد أن تراجع عن كل الاعترافات التي أخذت منه في سجون مصر , وقال للأمريكان بصريح العبارة:"إن كل ما أخذ مني قد كان تحت الضغط و الإكراه والتعذيب بما في ذلك العلاقة المزعومة بين نظام صدام البعثي الكافر وتنظيم القاعدة", فسقط في أيدي الأمريكان حينها حيث كانت الحرب في العراق على أشدها وكان أبطالها قد سعروا نارها ونكلوا بجنودها بقيادة الشيخ أبي مصعب الزرقاوي -رحمه الله- , مع العلم أن القرار النهائي لدخول الأمريكان للعراق كان بناء على المعلومات التي انتزعت قسرًا وقهرًا من ابن الشيخ -رحمه الله- , فعندها هدده الأمريكان بأنهم سيرجعونه إلى سجن الظلام فقال:"افعلوا ما شئتم ولكن هذه هي الحقيقة", وبالفعل تمت إعادته إلى سجن التعذيب في كابل في أكتوبر عام 2003 وكان هذا آخر عهدي به في السجن , فبقي في سجن التعذيب أو سجن