الظلام عدة أشهر وهو مع ذلك صابر ثابت شامخ مستعلٍ بإيمانه مزدرٍ للطغاة الذين لم يستطيعوا أن ينالوا من رسوخه وعقيدته شيئًا.
وبعدها نقل إلى سجون طاغية ليبيا ليدفن فيها وينسى وراء جدرانها مع المنسيين هناك بعد أن افتضح أمر الأمريكان في قرار الحرب على العراق , فابن الشيخ رحمه الله لم ينقل إلى باجرام ولا إلى جوانتنامو أبدًا وإنما كانت كل تنقلاته عبر السجون السرية للنصارى والمرتدين , فوقف هذا الجبل الأشم في وجههم جميعًا متحديًا لهم بإيمانه وصامدًا أمامهم بيقينه مرددًا قول نبي الله موسى عليه السلام الذي وقف في وجه إمام الطغاة: {إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} , وقائلًا للذين عذبوه ونكلوا به وهددوه وتوعدوه ما قاله سحرة فرعون بعد إيمانهم ويقينهم: {قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} .
وهكذا يفعل الإيمان بأهله الذي يأخذون الكتاب بقوة , وتتصل قلوبهم بربهم وتتعلق أفئدتهم بحبه وابتغاء مرضاته , ولا يرون الدنيا إلا كطيف خيال يوشك أن يتلاشى.
فلله أنت يا ابن الشيخ يا فخر ليبيا وشامة شرقها ودرة مدينة جدابيا مخرجة الأبطال ومنجبة الرجال , حيث أبيت أن تعطي الدنية في دينك وتحطمت على جسمك النحيل معاول مؤامرات الطغيان اليائسة , وتبددت أمام عزمك وحزمك إغراءاته البائسة التي عجزت أن تأخذ منك كلمة واحدة تقر بها حكم طاغوت واخترت الموت على ذلك قائلًا لهم في إزراء وازدراء: {إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} , فإننا لنعلم يقينًا أن دماءك الزكية سيحيي بها الله رجالًا , وإن مواقفك الفذة ستكون قدوة يأتسي بها السالكون لدربك الخريجون من مدرستك , وسيرى مسيلمة العصر عما قريب بإذن الله كيف توقظ رفاتك التي ركزوها في رمال جدابيا شبابًا أفذاذًا وفرسانًا أنجابًا يتقاطرون على ساحات الوغى ومواطن الردى تقاطر الغيث المملوء نقاء وصفاء وعذوبة وحياة.
ركزوا رفاتك في الرمال لواءَ *** يستنهض الوادي صباحَ مساءَ
يا ويحهم نصبوا منارًا من دمٍ *** يوحي إلى جيل الغد البغضاءَ
فمتى يعقل الطغاة أصحاب القلوب الغلف أن تلك الدماء الفوارة هي الوقود الذي تتقوى به قافلة الجهاد وتدفع الحياة في أوصاله وصدق الله: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} .