وليس وراء اتباع الشرع سوى اتباع الأهواء مهما أسبغ عليها من الأسماء وأضيف إليها من المحسنات والمرغبات , كما قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} , وكما قال عزوجل: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ} , وقال سبحانه: {وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} . فسبيل الحق واحدٌ واضحٌ ثابتٌ محققٌ وهو الإسلام , الذي لا يرضى الله لعباده دينًا سواه , وما أكثر سبل الضلالات وطرق الأهواء التي لم تزل تتولد وتتجدد وتتكاثر وتتوافر وتتنوع يومًا بعد يوم بأشكال مختلفة وأسماء متعددة , قال الله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} , وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (خطّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًا ثم قال:"هذا سبيل الله", ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن شماله وقال:"هذه سُبُل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه", ثم قرأ: وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه .. الآية) رواه أحمد.
وكلما كانت أمةُ الإسلام محيطة بهذه المسألة العظيمة آخذةً بها أخذًا تامًا ومستمسكة بها استمساكًا حقيقيًا عمليًا كانت أقرب إلى النصر وأسرع إلى التمكين وأهيب في أعين أعدائها , كما يحكي لنا هذه الحقيقة الشرعُ والتاريخُ والواقعُ أيضًا والعكس بالعكس.
ومن هنا فإن أدنى اضطراب أو تململ في استيعاب هذه القضية فهمًا أو عملًا مآله زيغ يولد زيغًا وضلال ينتج ضلالًا وانحراف يُحدث انحرافًا وفتنة تُوجد فتنة وهلم جرًا , ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم جامعًا بين الأمر بالاستمساك بطريق الهدى وسنة الهداة والتحذير من البدع والمحدثات التي تقود إلى الضلالات كما في الحديث:"فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا , فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة".
إذن فكل مسلم عليه أن يعقد قلبه على قوله تعالى: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} , فإليه يدعو وبه يعتز ومن أجله يضحي ولنشره يتحمل كل عناء , وليحذر من أدنى التفاتة إلى ما سواه , وتحت أية حجة كانت , فليس وراء الحق إلا الضلال ولا يفتننه زخارف أقوال دعاة الباطل , ولا كثرة المتهالكين فيه والمنكبين عليه , ولا قيام الدول والمؤسسات والمنظمات بالترويج له , فالباطل باطل اتبعه من اتبعه ودعا إليه من دعا , والحق حق آمن به من آمن وتخلى عنه من تخلى , فقد قال الله تعالى: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} , وقال سبحانه: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} , ومَن أدرك هذه الحقيقة وتجرد لفهمها وسلم من مزالق الأهواء سهل عليه وضع كل وافد ووارد من أفكار وسياسات و نظم في موضعها الصحيح , وحكم عليها بما تستحقه في دين الله تعالى من غير تردد ولا تحير ومن غير مجاملات ولا مسايرات , ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.