فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 967

ومن دواهي العصر ومحن الدين الكبرى وأوابده العظمى تسلل بعض تلك النظم التي ولدت غربية كافرة ونشأت غربية سافرة وترعرعت غربية فاجرة ما يسمى بـ"الديمقراطية"التي دبت في أمة الإسلام على حين غفلة من أهله وضعف من شعوبه وردة من حكوماته وجهل من أبنائه وتقصير من كثير من علمائه إلا من رحم الله , فرفعت أعلامها في بلدانهم وبثت سمومها في أوصالهم ونشرت عقائدها بينهم وألقت بظلالها وضلالها على أوطانهم فتلقفها من تلقفها منهم بين مخدوع أبله وخادع مفسد , فأحلوا قومهم دار البوار وساقوا أمتهم إلى كربات الاحتضار ,

فراج الكفر الأكبر المستبين باسم الشورى!

وشاعت الفاحشة الفاضحة تحت شعار الحرية!

ونبغت الزندقة وأطل الإلحاد باسم حرية الاعتقاد!

وتجرأ الجهلة السفلة طاعنين في الدين باسم حرية الفكر! وتفرقت الأمة شيعًا وأحزابًا باسم التعددية وتنوع الآراء! ومع ذلك فما زلنا نسمع الدعوات لهذا الدين الجديد تهتز به المنابر وتشحذ للتحريض عليه الأقلام والمحابر وتسخر لحث الناس على خوضه وسائل الإعلام مقروؤها ومسموعها ومرئيها , وتحشد لنشره وفرضه وتحكيمه الجيوش بأعدادها وأعتادها , وإنها لعمر الله فتنة العصر وداهية الزمان التي لفحت بجحيمها وجه الإسلام المشرق ولطخت طلعته البهية النقية ودنست صفاءه ونقاءه , ولولا أولو بقية من أهل العلم والإيمان ينهون عن الفساد في الأرض لأتت على الدين من جذوره واقتلعته وبأيدي من ينتسبون إليه! وهدمت صرحه وبمعاول تدعي السعي لتشييده! ولكن يأبى الله إلا أن يحفظ دينه ويصون شريعته ويقيم من عباده من يذب عنه بلسانه وسنانه وبنانه مصداقًا لما أخبر به نبينا صلى الله عليه وسلم:"لا تزال طائفةٌ من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس". متفق عليه.

فما هي هذه الديمقراطية التي يريد ساسة الغرب فرضها علينا؟ والتي يروج لها بعض العلمانيين ويركض وراء دعواتهم عدد من جهلة المسلمين؟ بل راح الكثير منهم يسبغون الشرعية على هذا النظام الغريب العطيب العفن ويؤصلون له , فصرنا نسمع:"الإسلام الديمقراطي"! و"الإسلاميين الديمقراطيين"! و"ديمقراطية الإسلام"! و"الإسلام والديمقراطية وجهان لعملة واحدة"! ونحو هذه العبارات الممجوجة المخدوجة المنبوذة التي لا تصدر إلا عن جهل مطبق وإن ادعى قائله الكياسة وفهم السياسة والبصيرة بالواقع.

إننا حينما ننظر إلى الديمقراطية على أنها دين مستقل تمامًا كأي دين آخر له مفاهيمه وقواعده وأصوله وقيمه ندرك عندها قبح مثل هذه العبارات وشدة استهجانها وما مَثَل هذه العبارات إلا كما يقول القائل: الإسلام اليهودي! والإسلام النصراني! والإسلاميين اليهوديين! ويهودية الإسلام! ونصرانية الإسلام! أو مجوسية الإسلام! , وقس على هذا النسق وألقِ على هذا الطبق وانظم في سلك الإضافات والأوصاف ما شئت , فهل هناك مسلم على وجه الأرض مهما بلغ به الجهل والانحراف يقبل مثل هذه الإطلاقات والتسميات؟ إن عجوزًا في أقاصي بوادي الأرض لم تدنس فطرتها لوثات الحضارة والانفتاح ودعاوى الثقافة وفلسفات الحوار لتُبادِر عند سماعها لهذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت