فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 967

نعم إنها مجرد شبهة ألقاها هؤلاء المشركون وأوحاها إليهم شياطينهم , وفي مسألة واحدة ألا وهي تحليل الميتة , ومع ذلك يقول الله تعالى للصحابة رضي الله عنهم في هذه القضية الجزئية التي ربما عدها من العصريين من القشور وإن أطعتم هؤلاء المشركين واتبعتموهم فيما قالوا من تحليل الميتة إنكم إذن لمشركون.

فكيف بمن يتبع هذه المجالس التي ما قامت أصلًا إلا على أساس التحليل والتحريم , والتي أعطت لنفسها حق التشريع المطلق إلا فيما يخالف دساتيرهم , والتي أملتها أهواؤهم وأنتجتها أفكارهم وصاغتها شهواتهم , إن هؤلاء البرلمانيين لا يحتاجون فيما يحللونه ويحرمونه مما يصادم الشرع ويناقض أحكامه إلى شبهة شرعية يتعلقون بها ليذروها في أعين السُذج الجهلة , فهم لا يلقون للشرع بالًا ولا يقيمون له وزنًا وإنما يشرعون ويقترحون ويرتؤون بمجرد نظرهم وبحسب ما تمليه أهواؤهم التي يسمونها مصالح! فأُحِل الربا باسم المصلحة الاقتصادية , واستُحِل الزنا والخنا باسم الحريات الشخصية , وأُبِيحت الخمور والخمّارات تحت شعار السياحة والترفيه , فإننا نعلم مثلًا أن الخمر محرّم في دين الله تعالى تحريمًا قطعيًا معلومًا من دين الإسلام بالضرورة , فلو أن برلمانيًا أحمق أراد أن يقترح رفع الحظر عن بيع وتجارة الخمر لرفع اقتصاد البلاد المنهار لمدة سنة أو سنتين أو أبد الآباد أو لأجل الترويح عن السياح الوافِدين فليس عليه في ذلك مؤاخذة ولا يبقى إلا إقرار الأغلبية لهذا المشروع الاقتصادي الكبير! فمتى أقرته الأغلبية البرلمانية صار بيع الخمر والإتجار فيه مباحًا ليس لأحد أن ينكره , ومن خالف التشريع البرلماني عرّض نفسه للملاحقة والعقوبة , فصاحب الفاحشة الكبرى فعلة قوم لوط يريد تشريعًا ينتفع به إخوانه ومشاكلوه , والزناة المُجّان يقترحون أنظمة تحفظ لهم فحشهم ومجونهم وخلاعتهم , والمرابون يقدمون تشريعات تضاعف لهم أموالهم وتصون رباهم , والخمّارون السِّكِّيرون يعرضون ما يبقي لهم خمورهم وخمّاراتهم ويحصِّن كل عربيد سِكِّير مثلهم , والمخنثون يشرعون ما يضمن لهم تخنثهم وتميعهم , وهلم جرًا.

فكل هذه الموبِقات والانحطاطات والفواحش والمنكرات من حق البرلماني أن يعرضها على إخوانه البرلمانيين لتُقرّ كقانون ما لم تخالف الدستور وليس الشرع! ويجب على الجميع التزامها واحترامها وتقديسها وعدم التعرض لها إن خرجت من تحت قبة مجلس الأرباب , ونعوذ بالله من الحور بعد الكور , وهكذا كل قانون يراد تمريره وتقريره وتشريعه بشرط واحد وهو ألا يصطدم مع دستور البلاد الذي يُقسِم كل برلماني على احترامه , أما لو صادم كل نصوص الشرع بل لو صادم الشرع كله فالربوبية البرلمانية أولى وأعلى وأغلى وبالتالي فهي تكفل له الاعتماد وقوة الإلزام لأنها في النظام الديمقراطي فوق كل ربوبية وسيادتها تعلو كل سيادة.

ثالثًا:

إن الحكم على أي شيء بأنه حق أو باطل أو جائز أو محرم أو ممنوع أو مرخص فيه إنما مرجعه في دين الإسلام إلى الدليل الشرعي الخالص: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم , أو ما كان تابعًا لهما ومستنبطًا منهما كالإجماع والقياس , ومثل هذه الأوصاف والأحكام لا تثبت لا بمجرد العقل ولا الذوق ولا الرغبة ولا تقررها خبرة مجردة ولا تجربة عميقة , وهو حق رباني خاص خالص لا تكتسبه أية طائفة تحت أي وصف من الأوصاف ككونها سياسية أو أغلبية أو عربية أو أعجمية أو غير ذلك , فما كان حقًا فبالشرع ثبت له هذا الوصف وليس لأي جهة أن تنزعه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت