جرحٌ عميقٌ ينزفُ في أمتنا الإسلامية, ولكنه ليس بجديد وإن كان كثيرٌ من المسلمين لم يعلموا أو يشعروا به مع طول عناء أهله وشِدة محنتهم وعظيم كربتهم ودوام استنجادهم بإخوانهم, وما ذلك إلا نتيجة التمزق والتفرق والاختلاف والتنافر الذي تعيشه أمتنا الإسلامية ومنذ أمد بعيد مما لم تعد معه كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائره بالحمى والسهر, وغارت في أوحال الأعراق والقوميات والنزعات والنِّزاعات معاني الأمة الواحدة فصارت شِيَعًا كل حزبٍ بما لديهم فرِحون, فتداعى عليها أعداؤها من كل حدب وصوب كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. ولم يكن ذلك عن قلة فنحن نزعم أننا أُمة المليار ونصف المليار مسلم, ولكنه الغثاء والجفاء الذي أصابنا, والوهن الذي تمكن منا, وحبنا للدنيا وكراهيتنا للموت والقتال حتى سرى الجبن والعجز والكسل في سائر أوصالنا وأغرى بنا الأراذل من كفرة الشرق والغرب جزاءً وِفاقًا.
قال الله تعالى: (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .
فمجزرةُ اليوم لم تقع بأيدي عُبّاد الصليب المجرمين ولا اليهود الحاقدين الذين اعتادت الأمة جرائمهم وفظائعهم, ولم تُرفع أو تُنزع خناجرهم من جسدها لحظة واحدة, وإنما كانت المذبحة الجديدة والتي ما زالت متواصلة بأيدي الوثنيين البوذيين والمُلحِدين الشيوعيين للشعب المسلم المضطهد في تركستان الشرقية والذي بقي يتجرع غصص الظلم وأنواع القهر وصور الإذلال عقودًا طويلة مما يؤكد لنا الحقيقة الناصعة التي قررها القرآنُ الكريم مِرارًا وهي العداوةُ والضغينة والأحقاد التي تمتلئ بها قلوبُ الكفرة من أي جنس كانوا وعلى أي نِحلة كانوا, فلا ينخدع بهم إلا غِرٌّ أحمق أو سفيهٌ أخرق لا يكادُ يعرف دينه وعقيدته.
قال الله تعالى: (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) .
وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَالُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) .
تلكم هي تركستان ومأساتها وجِراحاتها وآهاتها, تركستانُ وما أدراكم ما تركستان .. جسدٌ مُثخن .. وعيونٌ مُتقرحة .. ولوعاتٌ مريرة لسان حالها:
صُبّت علي مصائبٌ لو أنها *** صُبّت على الأيام عدن لياليا
دخل الإسلامُ أرضَ تركستان الشرقية والتي يسميها الصينيون اليوم (شينج يونج) -أي المستعمرة الجديدة- دخلها الإسلامُ على يد القائد المسلم المظفّر الفاتح قتيبة ابن مسلم الباهلي -رحمه الله- سنة 96 هـ حينما فتح مدينة (كاشغر) ومنذ ذلك الوقت عمّ نور الإسلام تلك الأرض النائية, فاستمسك أهلها به مع شدة المعاناة ولم يرضوا به بديلًا على كثرة الإغراءات, فتركستان الشرقية جزء لا يتجزأ من الأراضي الإسلامية التي هبّت عليها نسائم الفتوحات ووطأتها سنابكُ خيل أبطال الإسلام وتزينت بدماء الشهداء قديمًا وحديثًا وتخرّج منها جمّ غفيرٌ من العلماء, وشعبها المسلم لم تنقطع وشائج صلاته الإيمانية مع أمة الإسلام مع الجهود المنظمة والمتواصلة التي