فهرس الكتاب

الصفحة 267 من 967

الحق الصراح لا يمكنهم أن يواكبوها إلا بإعلان حقيقة أهدافهم ومقاصدهم وهو ما يعني بالضرورة مجاهرتهم بمحادة الحق ورفض الانقياد إليه ورده ردًا صريحًا فيتجلى آنذاك خبثهم وينكشف رجسهم، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ - لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (الأنفال: 36 - 37)

إن تميز سبيل المجرمين حتى تستبين تمام الاستبيان مقصدٌ شرعيٌّ طالما حرَص عليه الإسلام أشد الحرص، ليظهر الحق بوجهه المشرق، وآياته البينات، وبراهينه القاطعات، ومعسكره المتميز، وحزبه الصادقين، وينكشف الباطل بوجهه الأسود، وإجرامه المتأصل، وشهواته الحيوانية، وأهوائه الشيطانية، ورجسه العفن، وحزبه المكبوت، فيهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة.

هذا التمايز الذي لا يقع إلا بالعلم الصريح البين الذي لا يداهن الكفرة ولا يحابيهم ولا يطوّع آيات الله لإرضائهم ويحرفها مخاطبةً لودهم، ومجاراة لأهوائهم، وتكيفًا مع حضاراتهم، وبالعمل الجاد، وأخذ الكتابِ بقوة، وبذل أقصى الجهد لمواجهة أباطيل الكفرة، ورفع سيوف الحق لقتالهم وملاحقتهم وتقصدهم وعدم الاستسلام لآلام القروح، ولا نزف الجروح، قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} (الأنعام: 55)

قالَ الأستاذُ سيد قُطب رحمهُ اللهُ تعالى بما فتحَ اللهُ عليه في هذه الآية:[كما أن قوةَ الاندفاعِ بالحقِ لا تَنشأُ فقط من شعورِ صاحبِ الحقِ أنهُ على الحق؛ ولكنْ كذلك من شعورِهِ بِأَنَّ الذي يُحَادُّهُ ويُحَارِبُهُ إنما هو على الباطل. . وأنهُ يسلُكُ سبيلَ المجرمين؛ الذين يَذكُرُ اللهُ في آيةٍ أخرى، أنه جعل لكلِّ نبيٍّ عدوًا مِنهُم {وَكذلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نبيٍّ عدوا مِنَ المُجْرِمين} . لِيستَقِرَّ في نَفسِ النبيِّ ونُفُوسِ المؤمنين، أنَّ الذين يُعادُونَهُم إِنما هُمُ المجرمون؛ عن ثِقَةٍ، وفي وُضُوحٍ، وعن يَقِين.

إِنَّ سُفُورَ الكُفرِ والشَّرِّ والإِجرامِ ضروريٌّ لِوُضُوحِ الإِيمانِ والخيرِ والصلاح. واستِبانةَ سبيلِ المُجرِمين هَدَفٌ مِن أهدافِ التفصيلِ الربانيِّ للآيات. ذلِك أَنَّ أَيَّ غَبَشٍّ أو شُبهةٍ في موقفِ المجرمينَ وفي سبيلِهِم تَرْتَدُّ غَبَشًا وشُبْهَةً في موقفِ المؤمنينَ وفي سَبيلِهِم. فَهُمَا صَفحَتَانِ، مُتَقَابِلَتَانِ وطَرِيقَانِ مُفتَرِقَتَانِ. . وَلا بُدَّ مِن وُضُوحِ الأَلوانِ والخُطُوط] (في ظلال القرآن 3 51) .

علينا -أيها المسلمون- أن نعلم: أن الله عز وجل حينما أمرنا بعبادة الجهاد، وحثنا على تقصد الكفار في ديارهم، وطلبهم داخل حصونهم، قد قدر أن هذا الجهد تكتنفه الجروح والقروح، وتحفه الكلوم والآلام، ويواكب مسيرته الظمأ والمخمصة والنصب، ومع ذلك أمرنا أن نصبر ونصابر ونجتهد لأن نكون طالبين لا مطلوبين، وغازين قاصدين، لا مدافعين مغزيين، حاملين أعباءنا، ومتحملين لآلامنا، وصابرين على جروحنا، راجين ما عند ربنا سبحانه وتعالى، فقد قال عز وجل: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ - إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (آل عمران: 139 - 140)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت