فهرس الكتاب
أحدهما: فرضٌ عام متعيِّن على كل أحد ممن يستطيع المدافعة والقتال وحمل السلاح من البالغين الأحرار وذلك أن يحلّ العدو بدار الإسلام محاربًا لهم فإذا كان ذلك وجبَ على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافًا وثِقالًا وشبابًا وشيوخا، ولا يتخلف أحدٌ يقدرُ على الخروج من مقاتل أو مكثر، وإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا، قلوا أو كثروا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة حتى يعلموا أن فيهم طاقةً على القيام بهم ومدافعتهم، وكذلك كل من علمَ بضعفهم عن عدوهم وعلمَ أنه يدركهم ويمكنهُ غياثهم لزمهُ أيضًا الخروج إليهم، فالمسلمون كلهم يدٌ على من سواهم حتى إذا قام بدفعِ العدو أهل الناحيةِ التي نزلَ العدو عليها و احتل بها سقطَ الفرضُ عن الآخرين، ولو قاربَ العدو دارَ الإسلام ولم يدخلها لزمهم أيضًا الخروج إليه"اهـ"
وقال العلامةُ أبو بكر الجصاص الحنفي:
"ومعلومٌ في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خافَ أهل الثغور من العدو ولم تكن فيهم مقاومة لهم فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم أن الفرض على كافة الأمة أن ينفر إليهم من يكفّ عاديتهم عن المسلمين وهذا لا خلاف فيه بين الأمة إذ ليس من قول أحدٍ من المسلمين إباحةُ القعود عنهم حتى يستبيحوا دماءَ المسلمين وسبيَ ذراريهم"اهـ
الشيخ أبو يحيى الليبي:
ودليلُ ذلك كُلهِ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} .
وقال عزّ وجل: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} .
ونستخلص من هذا كله أنّ الجهادَ إنما صارَ مشروعًا وواجبًا في فلسطين لا لأمرٍ اختصت به عن سائرِ بلاد المسلمين المحتلة، فهذا الحكمُ الشرعيّ لم يثبت في حق فلسطين لبركة أرضها، ولا لوجود المسجد الأقصى فيها ولا لمزيّةٍ تعلقت بأهلها وإنما مردُّ ذلك ومدارهُ على كونها أرضًا للمسلمين داهمها العدو الكافر.
وبناءًا على ذك فحيثُ ما وجد هذا الأمر وتحقق هذا الوصف على أية بقعةٍ من البقاع الإسلامية فإن الحكمَ فيها تمامًا كما هو الحكمُ في فلسطين سواءًا بسواء، هذا هو المتقرر عند علماءِ الإسلام الصادقين قديمًا وحديثًا، لا مجالَ فيهِ للتردد ولا للتشكيك.
وكلُّ من أرادَ أن يُفرقَ بين بلدٍ وبلد أو أرضٍ وأرض أو جهةٍ وجهة، فإنه يُصادم إجماع العلماء القائمَ المحكم، وعليهِ فإننا نسأل علماء الأمة الصادقين الغيورين ممن وقعّوا على هذا البيان أو غيرهم من الفضلاء،