وطغيانًا، فكان مما وقع بين يدي - أخيرًا- فتوى صادرة عن مفتي مملكتهم بمناسبة الحملة التي شنتها أجهزتهم الأمنية على شباب الجهاد في الجزيرة واعتقلت العشرات منهم حسب وسائل إعلامهم، فلما رأيت ما في هذه الفتوى من المغالطات، والمجازفات، ووضع الأمور في غير موضعها، وإنزال الآيات والأحاديث على غير مستحقيها عنَّ لي أن ألقي هذه الكلمات وذلك كما جاء في الفتوى المذكورة: [إبراء للذمة، وخروجا من العهدة، وبيانا للحق، ونصيحة لله وكتابه ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم] سائلًا المولى عز وجل أن ينفع بها قائلها، ومستمعها، وناشرها إنه سميع عليم.
أولًا: ظاهرٌ جدًا من خلال العبارات المتكررة في الفتوى، أن الاعتماد الكامل في توصيف حالة (المجموعة) التي صدرت في حقها هذه الفتوى كان على بيان وزارة الداخلية حيث قال المفتي في مطلع ما كتب: [هذا وإن البيان الصادر يوم الجمعة 10 4 1428هـ عن وزارة الداخلية .. ألخ] ، كما أنه أعاد عبارة: [مما ظهر في البيان] ثلاث أو أربع مرات، وكفى تهالكًا وتهافتًا لفتوى مستندها في (تحقيق مناطها) على بيان ملفقٍ صادر عن وزارة الداخلية التي يتزعمها إمام أئمة الكفر (عميد وزراء الداخلية العرب) نايف بن عبد العزيز، والذي سخر رجال وزارته لإحصاء أنفاس الناس، وتتبع سكناتهم، وانتهاك محارم بيوتهم، والتنكيل بأصحاب الإيمان الصادق، والتوحيد الخالص الذين أبوا أن يكون توحيدهم مسخًا يتقنون الكلام عليه وتنساب ألسنتهم بشرحه إنسياب الماء من أفواه القِرَب حتى إذا التفتوا إلى واقع دولتهم وعاينوا عظائم أفعالها التي تأتي على التوحيد من أصله أغمضوا أعينهم وجعلوا أصابعهم في آذانهم فقالوا لم نرَ ولم نسمع، وأقسموا بالله جهد أيمانهم إنها لدولة التوحيد، وحامية حمى الشرع.
فوزارة الداخلية التي يعتمد المفتي على أباطيلها هي التي تقف قولا وعملًا بعلانية ومفاخرة جنبًا إلى جنب في مناصرة الدول العربية في محاربتها للمسلمين، فمؤتمرات (وزراء الداخلية العرب) لم تزل تنعقد حينًا بعد حين لتعزيز المعاهدات وتقوية الروابط في مكافحة ما يسمونه الإرهاب، وما هو في قاموسهم إلا (الإسلام) وإن أبى كثير من الناس أن يفهموا هذا أو يعقلوه!: {وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا} المائدة41
ووزارة الداخلية التي يستند المفتي إلى أضاليلها هي التي تُطلق وحوشها لتُنشب أظفارها في الأجساد الطاهرة لتمزقها بحقد دفين وتشفٍ مستعِر في ظلمات السجون، وألسنة هؤلاء المؤمنين تَلهج بذكر الله، وتعظيمه، والاستغاثة به، والشكوى إليه، وألسنة أولئك الجلادين الجفاة تصرخ بسب الرب، والاستهزاء بالدين، والسخرية بالمؤمنين، وتقيء بكلمات القبح، وعبارات الخلاعة، والفاظ السفالة، فهذه الحقيقة صارت مقطوعًا بها، متواترة في نقلها، مهما كذَّبتم، أو أعرضتم، أو رددتم، وليس هذا الأمر بجديد كما يظن البعض، وإنما شاع أمره وذاع وظهر أخيرًا بعدما اتسعت رقعة المعركة، وصار الناس في فسطاطين متميزين فرفع كل فريق راية ما يعبد: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ} البقرة165.