إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله ولو كره الكافرون.
صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من اهتدى بهديه وسارَ على سنته إلى يوم الدين.
ثم أما بعد ..
فبالأمس كنا قد تكلمنا على قول الله عز وجل: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَائِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} .
وقلنا إن هذه الآية -أي الآية الأولى- بينت السبيل الذي ينال به المسلم السعادة والسعة والراحة والطمأنينة والسكينة والاستقرار في الحياة، وبينت الطريق الذي يحصل به العنَت والمشقّة والحَرَج وغير ذلك.
فاتباع النبي صلى الله عليه وسلم هو سبيل السعادة، ومخالفة أمره ومشاقّة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم هو سبيل العنَت والشدّة والضيق والحرَج.
فالآية التي نتكلم عليها اليوم هي مرتبطةٌ بهذا السياق, وإذا تأملنا في تسلسل الآيات لرأينا بينها تناسقًا عجيبًا، فالآية التي تكلمنا عليها قبل يومين قولُ الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} ، فعدم التثبت في الأخبار يؤدي إلى ظلمِ الغير إما ظلمه في ماله أو في نفسه أو في عرضه أو في دمه، وهذا الظلم ربما يكتشف الإنسانُ في وقتٍ ما أنه قد هضمَ حق أخيه فيندم حين لا ينفع الندم، {أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين} ، فهذه الآية تحثنا على وجوب التثبت، والتثبت إنما أمر به القرآن الكريم وأمرَ به النبيُ صلى الله عليه وسلم، فحتى لا يقع الإنسانُ في الحرجِ والعنَتِ ومنه ظلم الغير فعليه أن يسلكَ سبيل النبي صلى الله عليه وسلم.
ثمَّ في هذه الآيات التي نتكلم عليها اليوم تتكلم على نوعٍ من العنَت بل هو من أشد العنَت والحرج الذي يقعُ بين المسلم وبين أخيه المسلم، وهو الاقتتال وسفك الدماء، هذا الاقتتال إنما يقعُ بسبب الاختلاف, وهذا الاختلاف إنما يحصلُ بسبب البعد عن دين الله عز وجل، كلما ابتعد الناس عن أحكامِ الله وعن شريعة الله وعن التمسكِ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم عاقبهم الله بأن جعلَ في قلوبهم العداوةَ والبغضاء، كما قال الله عز وجل في حق اليهود: {فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} عندما نسوا شيئًا مما أمرهم الله سبحانه وتعالى به، فالله سبحانه وتعالى أغرى بينهم العداوة والبغضاء، يعني ملأ قلوبهم بالشحناء والعداوة كعقوبة قَدَرية على تخليهم عن أحكام الله عز وجل، وهذا هو الذي يحصل بين المسلمين إذا ما تنكروا لشيءٍ من شريعة الله عز وجل وابتعدوا