عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وعن التمسك بسنته صلى الله عليه وسلم فإن هذا لا شك أنه سيقود إلى الاختلاف، لأن الآراء متباينة والقلوب كذلك مختلفة وطبائع النفوس ليست واحدة، فإذا لم يكن هناك دائرة يرجع إليها هؤلاء المختلفون وكل إنسانٍ يتمسك برأيه ويتشبث بما يراهُ وبما يحبه ويهواه هذا سيؤدي إلى التصادم وهذا التصادم سيؤدي إلى التنازع وهذا سيؤدي إلى الاقتتال.
ولكنّ القرآن يتعامل مع المسلمين بل مع الناس مع واقعهم، فما ترك القرآن هذه المشكلة بغير حل، يعني المسلمون هم بشر قد تغلبهم أهواؤهم وقد يقعون في الجهل وقد يقعون في الظلم فهذه الحالات التي يمرُّ عليها المسلمون تحتاج إلى علاج وتحتاج إلى دواءٍ قرآني، وهو الذي تبينه هذه الآيات فقال الله عز وجل: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} , والآية التي تليها أيضًا، هذه الآية هي عمدة الفقهاء في قتال البغاة.
البغاة كما ذكرنا من قبل قلنا هم الذين يخرجون على الإمام بتأويل، مع أن هذه الآية لم تشر إلى الإمام ولم تشر إلى التأويل ولم تذكر شيئًا من هذا، وإنما ذكرت الآية إذا وقع قتالٌ بين طائفتين من المؤمنين فالواجب هو الإصلاح بينهما، فإذا تعدت واحدة وبغت بعد الإصلاح {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّه} , فالآية ليس فيها إشارة إلى القيود الفقهية التي ذكرها الفقهاء، ولذلك هناك فرقٌ بين معنى البغي في اصطلاح الفقهاء وبين معنى البغي في ماذا؟ في لفظِ الشارع كما جاءَ في الكتاب أو كما جاءَ في السنة.
البغيُ هو مطلق الظلم {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى} وغير ذلك من الآيات التي تذكر البغي وكذلك الأحاديث، وأما البغي في اصطلاح الفقهاء الذي يذكرونه في كتب الفقه والذي يذكرون له أحكامًا محددة فهو الخروج على الإمام بتأويل.
فإذا كانت هناك طائفة من المؤمنين, مجموعة من المؤمنين, أمّروا عليهم أحدهم وأرادوا أن يكون هذا إمامًا ثمّ خرجوا بالسيف وبالقوة على إمام المسلمين متأولين يعني عندهم تأويل يعني عندهم حجة أو شبهة شرعية قوية في فعلهم هذا، فهؤلاء هم الذين يسمون بالبغاة، وهذه الآية من ضمن الآيات ومن ضمن الأحاديث التي استدل بها أهل السنة والجماعة أن مرتكب الكبيرة ليس بكافر يعني ليس خارجًا من ملة الإسلام خلافًا لما يقوله الخوارج، ولذلك الله سبحانه وتعالى سمّاهم مؤمنين مع اقتتالهم، قال {وإن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} .
والنبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر في أحاديث قال:"سُباب المسلم فسقٌ وقتاله كفرٌ"هذا حديث صحيح، فإذا جاءَ الخارجي أو الذي لا يجمع بين الآيات والأحاديث لا يجمع بين الأدلة في المسألة، ويقول إن مجرد قتال المسلم للمسلم هذا كفر بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم، صحيح؟ ولكن الكفر المقصود في هذا الحديث هو كفرٌ غير مخرجٍ من الملة أو أن هذا من أفعال الكفارِ وإلا فإن هذه الآية دلالتها ولفظها صريحٌ في بقاءِ الإيمان بين المتقاتلين، واضح هذا يا إخوة؟